قضية العميد الصوتي، الملقب بأشهر كوميسير في المغرب، تعيد إلى الأذهان قصة العميد الحمدوشي الذي أطلق عليه طنجاوة سنوات الثمانينات، لقب «كولومبو» بسبب فكه لألغاز جرائم معقدة حيرت الأجهزة الأمنية.
والمدهش أن كلا العميدين تمت إزاحتهما من منصبيهما، رغم أن شعبيتهما وصلت إلى القمة بسبب نجاحهما في محاصرة خلايا الجريمة.

الدكتور الحمدوشي انزوى في بيته بدار بوعزة وتفرغ لدراساته العليا في القانون وفتح مكتبا للمحاماة في باريس، بينما الصوتي سحبت منه رئاسة منطقة أمن الفداء درب السلطان، وأسند إليه منصب أرفع بالفرقة الولائية الجنائية بولاية أمن البيضاء، مكلفا بالتدخلات الأمنية.

ولعل ما يثير الدهشة في قصة العميد الصوتي كون هذا الأخير أصبح نجما محبوبا يخصص له معجبوه صفحات على «الفيسبوك» يسردون فيها «غزواته» الناجحة ضد أوكار الجريمة وعصابات المخدرات، هذا في الوقت الذي لا يحظى فيه بعض رفاقه سوى بالتجاهل والتبرم.

لكن يبدو أن العميد اقترب من الشمس أكثر من اللازم، فاحترقت أجنحته وتحول من عميد يطارد المجرمين ويقودهم نحو غرف التحقيق، إلى متهم يجب التحقيق معه.

القصة بدأت عندما أمر وكيل الملك بالمحكمة الزجرية عين السبع في الدار البيضاء، بفتح تحقيق في شأن ما تضمنه شريط فيديو يستعرض شهادة مهاجر مغربي يملك محل «طولوري»، يتهم فيها الصوتي عميد الشرطة القضائية في أمن الفداء، بـ«استغلال النفوذ»، وتدخله عن طريق أحد الوسطاء للحصول على خدمات مجانية من قبل الشركة «هبة نور» تتعلق بطلاء سيارات تابعة للأمن الوطني.

النتيجة كانت هي شيوع أخبار عن عزل العميد الصوتي من منصبه بسبب هذا الملف، وفعلا نجحت الحملة في بث الشكوك حول النوايا الحقيقية التي كانت تحرك العميد، خصوصا وأن الاتهامات التي طالته شككت في ذمته المالية.

غير أن لهذه القصة التي تبدو عادية وجوها أخرى أكثر خطورة، تتلخص في طبيعة العلاقات التي ينسجها بعض مسؤولي الأمن مع تجار وسماسرة من أجل تحصيل الإتاوات.

وللتأكد من ذلك يكفي القيام بجولة سريعة إلى المحافظة العقارية، للحصول على نسخ من شهادات الملكية المتعلق بنائب العميد الصوتي أحمد بركات، الذي «خيم» لحوالي عشرين سنة في الشرطة القضائية بدرب السلطان أمن الفداء.

فالمحافظ على الأملاك العقارية بالفداء مرس السلطان، يشهد بأن الملك العقاري المسمى «دار سيد الحاج العليم»، ذي الرسم العقاري عدد 36174C /  الكائن بالبيضاء حي بن مسيك، هو في اسم محمد مراكشي بنعزوز وأحمد البركات مناصفة.

والمحافظ نفسه يشهد بأن الملك العقاري المسمى «دار الجيلالي ومينة»، ذي الرسم العقاري عدد 33655 C / الكائن بالمدينة الجديدة الدار البيضاء، هو في اسم محمد مراكشي بنعزوز ومحمد حمني مناصفة.

والمحافظ نفسه يشهد بأن الملك العقاري «دار لفقيه عبد العزيز»، ذي الرسم العقاري 306554C/ الكائن بالدار البيضاء المدينة الجديدة، هو في اسم محمد مراكشي بنعزوز ومحمد حمني مناصفة.

وقد يقول قائل إن هؤلاء مواطنون مغاربة ومن حقهم أن يتملكوا عقارات مثل سائر المواطنين. المشكلة أن هؤلاء المواطنين ليسوا مثل سائر المواطنين.

أولا السيد محمد مراكشي بنعزوز الذي يرد اسمه كثيرا في شهادات الملكية التي عثرنا عليها في المحافظة العقارية، ليس سوى أخ بنعزوز الملقب بـ«ولد التونسية»، والذي وضع شكاية بالعميد الصوتي يتهمه فيها

بالابتزاز. وهذا الشخص موضوع شكايات عديدة من طرف أشخاص، بينهم عمال في ورشة طلاء السيارات التي يمتلكها، وتوجد في شارع محمد السادس، وسكان منازل يملكها بنعزوز كان يجبرهم على إفراغها بعد اقتنائها.

ثانيا السيد أحمد البركات الذي يشترك مع أخ بنعزوز في الملك العقاري المشار إليه أعلاه، ليس سوى عميد شرطة كان يشتغل في الشرطة القضائية بأمن الفداء درب السلطان، قبل أن تنفجر قضية الصوتي ويتم تنقيله إلى منطقة ليساسفة.

ثالثا السيد محمد حمني الذي يشترك مع أخ بنعزوز «الطولوري» في أملاك عقارية مناصفة، ليس سوى عميد شرطة ونائب رئيس الشرطة القضائية بالمنطقة الأمنية درب السلطان، أي أنه كان نائب العميد الصوتي. كما العميد حمني يملك عقارات أخرى بينها منزل مكون من أربعة طوابق بحي إفريقيا، كما يشترك مع بنعزوز في عدة محلات تجارية بينها محلات لبيع الحلويات و«الشباكية».

كان يمكن أن نحسب مبادرة السيد بنعزوز، وهو المواطن العادي، إلى وضع شكاية برئيس عميد في الأمن، على شجاعة نادرة، غير أن العميد الذي وضع ضد بنعزوز شكايته، ليس سوى الرئيس المباشر للعميد الذي يشترك معه المواطن بنعزوز أملاكا عقارية مناصفة، مما يطرح عدة أسئلة محيرة.

أولا كيف يشترك عميد للأمن مع مواطن في ملكية عقارات «فيفتي فيفتي» في المنطقة الأمنية التي يشتغل فيها قرابة عشرين سنة؟

ثم ما علاقة أخ بنعزوز «الطولوري» صاحب الشكاية، بعمداء الأمن لكي يشترك معهم في ملكية العقارات؟

المثير أن العقارات التي يملكها المسؤولون الأمنيون النافذون بالفداء إلى جانب عائلة بنعزوز، واضع الشكاية بالابتزاز ضد الصوتي، توجد بالفداء ومرس السلطان، أي داخل دائرة نفوذهم، كما أن جلها كانت محتلة من طرف أسر جرى إفراغها بطرق مختلفة باستعمال هذا النفوذ واللجوء إلى توثيق العقود على يد كاتب عمومي بحي «الإدريسية» عوض موثق.

الجواب بسيط، خصوصا إذا عرفنا أن العقار في منطقة درب السلطان وصل عنان السماء، إلى درجة أن الخربة أصبحت تساوي مائة مليون، والسبب يعود بالأساس إلى حاجة تجار التهريب الذين ينشطون بالمنطقة إلى أماكن لتخزين سلعهم، إلى درجة أن مساكن تحولت طوابقها إلى قيساريات تجارية خارج أية مراقبة.

وهنا بالضبط تظهر حاجة سماسرة العقار إلى معونة مسؤولي الأمن، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستصدار شهادات الالتزام بالإفراغ في حق ساكني بعض البيوت التي يتم اقتناؤها مناصفة بين هؤلاء السماسرة وبعض عمداء الأمن، تحت طائلة أداء مبلغ 500 درهم يوميا في حال الامتناع عن إفراغ الشقة.

وهكذا يتضح أن خطة إبعاد العميد الصوتي كانت محبوكة بعناية بين أطراف لديهم مصلحة شخصية في هذا الإبعاد.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لمصلحة من تم هذا الإبعاد ومن المستفيد؟

الجميع يعلم أن منطقة الفداء درب السلطان استطاعت، بفضل تواطؤ بعض مسؤولي الأمن الفاسدين، أن تتحول في السنوات الأخيرة إلى بورصة مفتوحة لترويج جميع أنواع المخدرات والممنوعات.

فمنطقة الفداء تضم أكبر معاقل توزيع المخدرات بالدار البيضاء كلها، ويشكل تجار مخدرات بأزقة هذا الحي حلقة وصل بين باعة المخدرات بالتقسيط وبارونات المخدرات بالشمال. ولذلك حرص أصحاب «دعوة» الصوتي على إبعاده، قبل حلول شهر رمضان الذي يعتبر شهر الذروة في المبيعات والأرباح. ويبدو أن المخطط قد نجح، وعاد «البزنس» إلى سابق عهده في هذه المنطقة الأمنية مباشرة بعدما غادرها العميد الصوتي.

هنا بالضبط تظهر طبيعة علاقات صاحب الشكاية ضد العميد الصوتي مع بعض عمداء الأمن بمنطقة الفداء درب السلطان، خصوصا عندما نقرأ الشكايات العديدة التي وضعت ضده، والتي يقول أصحابها إنه يهددهم بسجنهم وتلفيق تهم لهم، مما اضطرهم لإفراغ منازل أصبحت في ملكيته مناصفة مع عمداء أمن.

عند هذه المرحلة بدأت تظهر حقيقة الأمر، وهو أن لبنعزوز علاقات قوية بمسؤولين أمنيين بالمنطقة الأمنية الفداء. هذه العلاقات بلغت حد دخول بعضهم في علاقات تجارية وشراكات عقارية معه.
الأمور تذهب أبعد من ذلك، خصوصا إذا عرفنا أن هناك منازل يتم شراؤها مناصفة مع مسؤولين أمنيين لإعدادها في أعمال دعارة. ضمن هذه المنازل بيت يوجد بدرب «الكلوطي» سبق أن قدمت بشأنه شكايات تشير إلى إدارة شبكات دعارة به دون أن تتم مداهمته مطلقا.

النفوذ يشمل كذلك إدارة شبكات من الباعة الجائلين بالفداء، من خلال كراء مساحات أرضية لهم مقابل 100 إلى 300 درهم في اليوم، تحت التهديد بمتابعتهم بتهم الاتجار في المخدرات وحيازة أسلحة بيضاء في حال عدم أداء هذه الإتاوات.

الحكاية في نهاية المطاف ليست مسألة ابتزاز أو«طولوري» أو سيارة أمن بحاجة إلى «صانطوفير» وما إلى ذلك، بل الحكاية أخطر من ذلك بكثير، لأنها تتعلق باستغلال بعض مسؤولي الأمن للنفوذ والفساد والتواطؤ مع العصابات الإجرامية.

فهل سيفتح المدير العام للأمن الوطني تحقيقا في الموضوع لمعاقبة الجناة، أم أنه سيقترح عليهم المغادرة الطوعية كما فعل سابقا، لكي ينعموا بالممتلكات التي راكموها خلال مزاولتهم لمهامهم الأمنية؟

عمود “شوف تشوف” — “فيفتي فيفتي–