خرج المحامي عبد الصمد الإدريسي وعضو هيئة الدفاع بتدوينة عن القيادي البيجدي عبد العالي حامي الدين، الذي قرر قاضي التحقيق باستئنافية فاس متابعته بجناية المساهمة في القتل العمد مع إحالة الملف على غرفة الجنايات، (دون) رسالة موجهة إلى من اعتبرهم «القضاة الذين يدخلون محراب المحكمة بقرارات في جيوبهم»، على حد تعبيره. وجاءت رسالة عيد الصمد الإدريسي على الشكل التالي : رسالة إلى قاض.. وعبرة من التاريخ.. بعد مقامات التبجيل والتقدير لكل قاض مستقل كفؤ نزيه.. هذه رسالتي إلى كل قاض يهرف بما لا يعرف.. أقول وبالله التوفيق.. قضاة كثيرون قبلك قاموا بالدور الذي تقوم به اليوم، نسيهم التاريخ لكنه خلد ضحاياهم.. من يطالع بعض المقالات والتدوينات وما ينشره البعض بخصوص قضية الدكتور عبد العالي حامي الدين، يتساءل باستغراب، لفائدة من يرافع هؤلاء ؟! تمحيص ما يكتبونه وخلفياته والحماسة التي يبدونها وطريقة وسرعة تمكين بعضهم من وثائق الملف، سواء كانت شواهد التبليغ ومحاضر التحقيق، بل بما في ذلك قرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق باستينافية فاس الأستاذ محمد طويلب، حتى قبل أن يتوصل الدفاع به، يفيد أن هؤلاء يترافعون ويدافعون عن أي شيء إلا القانون.. لم استعمل يوما في حياتي الشخصية ولا المهنية ما درج عليه المغاربة في وصف أعضاء النيابة العامة (المغرق) لإيماني بأن النيابة العامة وأعضاءها خصم شريف، يمثل المجتمع وينوب عنه في تحريك ومباشرة الدعوى العمومية لفائدة القانون وحماية النظام العام، وتجنيب المجتمع مخاطر الجريمة والمجرمين.. لكن اليوم، للأسف، أجد أن أنسب وصف لما يقوم به هؤلاء هو دور “المغرق” من خارج المحكمة لا من داخلها.. من دون اختصاص ولا صفة ولا مصلحة.. المغرق الذي يغرق القانون والمسطرة، يغرق الحياد وواجب التحفظ.. بل الذي يغرق نفسه.. لهؤلاء أقول يمكنكم أن تعودوا للتاريخ الحديث وسجلات المحاكم وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة والمقررات التحكيمية الصادرة عنها، لتخلصوا إلى أن قضاة كثيرين سبقوا للقيام بالدور الذي تقومون به اليوم، فأين هم الآن؟! لقد نسيهم التاريخ -حتى لا أقول إنه رمى بهم في ركن آخر- وبالمقابل خلد ضحاياهم.. محاكمات بالجملة انقعدت على مقصلة القضاء، وتاريخ المغرب شاهد عليها وأرشيف المحاكم أيضا، لكن عادت الدولة لتنصف ضحاياها وضحايا القضاء غير المستقل، من خلال الآلية المغربية للعدالة الانتقالية: هيئة الإنصاف والمصالحة. هل نذكر اليوم أؤلائك القضاة الذين وضعوا أسماءهم وتوقيعاتهم على الأحكام الجائرة ضد زعماء وهامات النضال السياسي والحقوقي بالإعدام والمؤبد وعشرات السنين؟ من يذكر اليوم أولائك القضاة الذين كانوا يدخلون محراب المحكمة بقرارات في جيوبهم، أولائك الذين لم يكونوا يأبهون لمرافعات الدفاع، ولا للطعون المقدمة أمامهم لإبطال مساطر الاستماع وقرارات الإحالة؟ لكن، التاريخ -يا زملائي- يذكر المهدي بنبركة ومحمد الفقيه البصري وأبراهام سرفاتي وعبد السلام ياسين وعبد الرحمان اليوسفي… كشهداء وأبطال ومجاهدين… كما نذكر اليوم المسؤولين الذين أبدعوا الإنصاف والمصالحة، أما الذين قبلوا أن يكونوا مجرد أداة، فحتى من سخرهم لا يكاد يذكرهم.. لكل قاض اختار هذا الطريق أقول: لك أن تختار، يا صديقي، من الآن، الخانة التي ستكون فيها بعد عقد أو عقدين من الزمن.. هل سيذكرك التاريخ كقاض أم مجرد قاض حاجة، هل ستكون مع القاضي أو مع القاضيين؟ نحن في كل هذا مخيرون لا مسيرون… وليس أسوأ للمرء من أن يخير فيترك القمة ويندحر نحو المصير الهاوية، وكما قال الشابي: “ومن لم يحب صعود الجبال.. يعش أبد الدهر بين الحفر”. يمكن ان تكون نبيها وذكيا، ترافع بشراسة وقوة.. لكن بماذا تنفعك النباهة إذا كانت ستكون مجرد أداة يسخرها غيرك (سواء علمت ذلك، وتلك مصيبة، أو كنت جاهلا، وهي مصيبة أكبر)..؟! بماذا سينفعك ذكاؤك إذا كان يستفيد منه غيرك لضربك به حالا أو مستقبلا، قبل أن يضرب به غيرك: ألست بذلك وجه العدالة التي نراها اليوم تجلد؟! يا أصدقائي.. لقد ذهب بعض منكم الى وصف الدفاع (بتشكامت) وهي كما نعلم خصلة الجبناء والمنافقين.. ولا أراها تناسب من يكتبون على رؤوس الأشهاد عن قائلها وله، بل من يرافعون عن هفوات أقصى هرم التراتبية التي يتبع لها، فكن مطمئنا من أن الجبن لا يمكن أن يتسلل إلى قلوبنا.. بالعكس يا أصدقائي، أبعد الله عنكم كل سوء، وعذرا على المقارنة، والله نريد لكم أن تبقوا قضاة مستقلين نزهاء، تناضلون من محراب العدالة لا (محامين) عالة على مهنة النبلاء ورسالة المحاماة، لا قدر الله..