أحمد الطالبي : ..البرقع والحقوق وأشياء أخرى -2- ….

إستكمالا لرؤيتنا في قضية البرقع الأفغاني الوهابي الطالباني التي تناولنا بعضا من جوانبها في مقال سابق ، والتي كانت خلاصتها تتمحور حول معنى دفاع الحقوقيين عن لباس البرقع كحرية شخصية ، هذا الدفاع الذي يطرح إشكالا مرتبطا بموقف البراقعة من حقوق الإنسان كمنظومة قيمية و فلسفية كونية إنسانية صرفة تستحضر الإنسان كقيمة تعلو على كل القيم ، وهو الطرح الذي يتنافى و ما يؤمن به البراقعة من قيم تلغي الإنسان وتختزله في مجموعة من الطقوس التي تلغي فاعليته في التاريخ و تلغي وعيه و عقله بلبوس من الغباء المقدس لتضعه رهن جبروت سلطة تيولوجية كهنوتية، تذكرنا بصكوك غفران الكنيسة وطغيانها في القرون الوسطى ..
و إذا كان موقف الجمعيات الحقوقية ينسجم بالتمام و الكمال مع مبادئها و فلسفتها القيمية -و إن كنا نطرح بصدده أسئلة المعنى و الجدوى – فليس لعيب فيه ، إنما لمساءلة قبيلة البراقعة و إثارة انتباههم إلى مسألة في غاية الأهمية سنصوغها في بضع أسئلة :
– لماذا لا تقدرون منظومة حقوق الإنسان التي تحميكم من شطط السلطة ؟
– لماذا تكفرون بها و تكفرن أهلها ؟
– لماذا عندما تتورطون في قضية ما ، تشهرون ورقة الحقوق و الحريات : حالة الداعيتين بنحماد وفاطمة النجار- جنش الشاطئ في غبش الفجر – وحالة الصنهاجي الذي اعتبرت ماء العينين تهديداته بقتل المخالفين حرية للتعبير، وما إلى ذلك من الحالات ..
– ثم هل إذا تيسرت لكم الأمور يوما و حكمتم ، ستعترفون للآخرين بحرياتهم الشخصية فكرا و معتقدا و ملبسا وغيرها من الحريات ؟ وهذا مستبعد جدا ، وهو ما يبرر سؤال المعنى من الدفاع عنكم ، مع أننا لا ندعوا البثة إلى مصادرة حقوقكم …
هذه الأسئلة نطرحها ، ونثرك الإجابة عنها للقراء كل حسب تقديراته و قبلياته و مسبقاته الفكرية ، و لا يهم أن يتفق معنا الجميع في ما نذهب إليه ، لأننا نؤمن بنسبية الحقيقة التي هي جوهرالديمقراطية
و في اعتقادنا ، فإن تناول القضية من جانبها الحقوقي و ما يرتبط به من أسئلة غير كافي البثة ، إذ لا بد من الذهاب بعيدا ، وطرح قضايا أخرى من قبيل أن النقاش لا يجب أن يتوقف عند اعتبار ارتداء البرقع حرية شخصية ، فرمزية البرقع تتجاوز مسألة الحقوق ، باعتباره من تجليات ثقافة أسست لها جهات إقليمية ودعمتها بالمال و الإعلام لفرض نمط من التدين يخدم أجندتها السياسية الإستراتيجية المتمثلة في تعميم الجهل و إلغاء الفكر العقلاني و النقدي مما سيفضي حثما و ضرورة إلى خلق طبقة إجتماعية حاملة لمشروعها- الجهل- ومن خلالها تحدث اختراقات في أجهزة الدولة و مؤسساتها عبر آلية الإنتخابات ، وبعدها ، باي باي يا دميوقراطية ، باي باي يا حقوق ..
إنها لعبة مكشوفة ومفضوحة ، وتهدد كيان و استقرار المغرب …
ليس هذا فحسب فالذين يدعمون ثقافة كهذه ، ليسوا سوى عملاء ووكلاء للقوى الإمبريالية التي تعادي كل فكر تحرري قد يعصف بمصالحها إذا ما تحصل الوعي، و إذا تتطور الفكر النقدي لدى شعوب الشرق الأوسط و شمال إفريقيا ، ولنفس السبب أيضا تمت دعشنة الثورات و أخونتها ، إنها لعبة إستعمارية هدفها الحفاظ على الفارق الحضاري بين الشرق و الغرب و تمعيق هوته لإبقاء الوضع على ما هو عليه ، إنها استراجية ديمومة السيطرة عبر وكالات محلية تعمم الجهل و تدعمه بالمال و الإعلام وبغطاء ديني يقوده جنرالات القتل والدم ، كالقرضاوي و العريفي و حسان والعرعور و القرقور ووو
والسؤال الذي يجب طرحه الآن ، و إن كان قد طرحه الكثير من المثقفين بدءا بالرواد الأوائل للنهضة وما زال مهووسا به الكثير من الغيورين و التنويريين ، هو كالثالي : لماذا لم نبرح مكاننا بعد ولم نرتق كما ارتقت الأمم الأخرى في سلم الحضارة و التقدم ؟
لأننا ببساطة لم نخرج بعد من براديغم القرون الوسطى الذي يلغي فاعلية الإنسان في التاريخ..
لأننا لم نعانق براديغم الثورة الكوبيرنيكية الذي قوض يقينيات القرون الوسطى ، هذا البراديغم المؤسس على مبدأين : la causalité et la relativité .
لأننا لم نخلق الشرط الإجتماعي و الثقافي و الإقتصاديالذي يمكن من خلق الحامل الإجتماعي للفكر العلمي النقدي و النسبي ..
لأننا أخيرا نغيب العلوم الإنسانية التي بدونها لن نفهم أبدا واقعنا الذي ننظر إليه من مجهر الميتافزيقا المفارقة للتاريخ الشيء الذي حال دوما دون إنتاج وعي علمي بالذات و الواقع و التاريخ …
و سنكتفي بهذا القدرلكي لا نثقل على القراء والسلام .. …..
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم…..
فين غادي بيا خويا فين غادي بيا ؟

. ………………………..الطالبي…………..
.