مصطفى العلوى: بين الجامعي الذي يريد الإستقرار و المنبهي الذي يريد الثورة

الوطن الأن29 ديسمبر 2013آخر تحديث :
مصطفى العلوى: بين الجامعي الذي يريد الإستقرار و المنبهي الذي يريد الثورة

كان وزير الخارجية الجزائري السابق، الطالب الإبراهيمي مرتاحا في غرفة نومه الواسعة، بفندق الهيلتون في الرباط، ملفوفا في بينواره الحريري حينما طلب من كاتبه الخاص، أن يحضر له، العدد الأخير من مجلة “لاماليف” التي كانت تصدرها الصحفية لوغلام، ليصل الخبر إلى أسماع الملك الحسن الثاني، وهو في قصره(…) ليسأل أحد المقربين إليه: وما هي هذه المجلة، أحضروها لي، وفعلا أحضروا له هو أيضا(…) العدد الأخير من مجلة “لاماليف”، ويطلع عليها.. ويجد في محتواها الكثير مما أغضبه، فأمر بمنعها، وكان ذلك آخر عهد المجلة بالصدور، وربما لو لم يبحث عنها وزير الخارجية الجزائري، لما اطلع عليها الملك الحسن الثاني ولما منعها.

أما ابنه محمد السادس، وقد أصبح ملكا، في نفس السن الذي أصبح فيه الرئيس الأمريكي أوباما رئيسا، لكن محمد السادس لم يكن له وزير خارجية يهتم بالصحف والمنشورات، سنة 2002، وكان يحضر إحدى القمم الإفريقية حينما توصل بطلب الرئيس بوتفليقة الذي رغب في مقابلة الملك محمد السادس، على هامش المؤتمر، لولا أن أحد مستشاري الملك قال له بأن بوتفليقة لن يبقى رئيسا للجزائر وأن الإسلاميين سيشطبونه من الساحة الجزائرية، وربما أنهم سينظمون عليه انقلابا في الآتي من الأيام، وكان وضع بوتفليقة في ذلك الوقت، فعلا مضعضعا أمام الثورة الشعبية التي كانت معلنة من طرف الحزب الإسلامي، جبهة الإنقاذ، ولم يستقبل الملك محمد السادس بوتفليقة، الذي، بعد شهور قليلة، أعيد انتخابه بنسبة ثمانين في المائة(…) ليقول بعض الشهود الجزائريين على هذا الحادث من الجانب الجزائري، بأنه سبب تصلب بوتفليقة في مواقفه تجاه المغرب منذ ذلك التاريخ.

في مناسبة أخرى، ولم يكن لأي مقرب من الملك محمد السادس، أن يعطي رايه، رن تلفونه الخاص ليكون على الخط، الرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، وكان بجانبه مستشاره في الإعلام، بنعبد الله، الذي حكى هذه الواقعة، وبعد المجاملات، أبلغ الرئيس بنعلي للملك، احتجاجه على تدخل قناة الجزيرة في شؤون تونس والمغرب، ليطلب بن علي من الملك، أن يغلق مكتب الجزيرة الموجود في الرباط. وطبعا لم يكن من طبع الملك محمد السادس، أن يتلقى أمرا من الرئيس التونسي، فأبلغه رفضه قائلا: ولماذا سأقفل مكتب قناة الجزيرة. لتتوتر أعصاب بن علي، الذي حسب أن الملك محمد السادس سيبادر بالاستجاب، ويقول بن علي: إذا لم تقفل قناة الجزيرة في الرباط فإني سأفتح مكتبا للبوليساريو في تونس.

وربما كان هذا هو السبب الرئيسي، في تلك البرودة التي طبعت العلاقات، أيام بن علي، حيث لم يغلق الملك مكتب قناة الجزيرة، إلا عندما ارتكبت أخطاء في حق المغرب، ولم يفتح بن علي مكتبا للبوليساريو في تونس.

ويسجل التونسيون الذين كانوا مع بن علي، هذا الموقف على الملك محمد السادس، بأنه عنوان عن موقف رجل دولة صارم، وهي الميزة التي يتمنى المغاربة أن يتحلى بها الملك محمد السادس، حتى تجاه قضاياهم المشتركة مع العرش، ويتمنون أيضا، أن يعطيهم جميعا نصيبهم من الاهتمام، بجانب اهتماماته بالتنمية البشرية وبالمحتاجين والمعوزين.

وقد أبرزت التجربة، أن حكومة الدستور والممارسة الديمقراطية، لن تعطي ثمارها، إذا لم يمارس رئيس الدولة حقه في الحد من جبروت الذين يعتبرون أنفسهم فوق الدستور الرافضين للممارسة الديمقراطية، والذين يحصى عليهم الرأي العام الوطني، تجاوزاتهم.

ذلك أن التفكك والانحلال الذي أدركته الدولة المغربية في السنوات الأخيرة، في مختلف المجالات التي يحتاج فيها المغرب، أن يتصرف بقوة تجاه أخطاء مجموعة ممن يعتقدون أنهم فوق المحاسبة، وحتى فوق القانون، وكان أبشع نماذجها، هذا التاجر القابع فوق ثروة خارجة عن المقاييس، والذي استغل بنفسه هذا الفراغ، ليطلق مشروع نشر الدارجة في التعليم، وعندما أقحمه محاوره والرأي العام، لم يجد مخرجا(…) إلا أن قال: إني صديق الملك.

وكان المفروض، أن الملك صديق الجميع، لكن ليس من حق أصدقاء الملك، أن يرتكبوا الأخطاء، لأنه لو بدأ المغاربة في ارتكاب الأخطاء لمجرد أنهم أصدقاء الملك، لكان المغرب قد راح في داهية، كما يقول المصريون.

((إن أصدقاء الملك، في جميع ملكيات الدنيا، ملزمون بالسكوت، محافظون على السرية، والمواطن العادي لا يعرفهم.. لأن أصدقاء الملك الذين يعرفون عاداته، وقد يحضرون ساعات غضبه ويديرون ألسنتهم في أفواههم سبعة مرات قبل أن يتكلموا معه، وعندما يكون الأمر يتعلق برجل أعمال، مديرا لعدة شركات، ويساهم في الصفقات العمومية فإن الادعاء بالصداقة للملك مخالف لقواعد الديمقراطية خصوصا وأن رجال الأعمال، ليس لهم صديق، إلا مصالحهم المادية. إن أصدقاء الملك، لا يشكلون مؤسسة سياسية خارج الدستور، فنحن لسنا في ملكية الكولف)) (جواد بنعيسي. مقال بعنوان: صديق الملك).

وقد كاد الصحفي المطلع خالد الجامعي، أن يتكلم باسم الجميع(…) عندما كتب مؤخرا: ((نعم يا جلالة الملك، المغرب لم يعد يقبل أن يتحكم هؤلاء(…) في الحكومة ويعطون التوجيهات بالهاتف، ويخيفون رجال الدولة، ويشتمون المدير العام للأمن الوطني، ويعطون التعليمات للقضاة، لأنهم يستمدون نفوذهم من القرب منك فيفسدون في الأرض ولا يصلحون)) (موقع زنقة 20. 11 نونبر 2013).

طبعا، هناك آخرون ممن يشعرون في إحساسهم الوطني شعور الجامعي، ويتألمون لهذا الواقع مثله، فيضطرون إلى نزع القفازات الجامعية(…) من أيديهم، ويضربون بأعنف من هذا المستوى، ويكتبون في نفس اليوم 11 نونبر: ((في المغرب، ولتغيير الأوضاع، نحتاج إلى شرط أساسي هو التنظيم القوي القادر على تعبئة الجماهير، وهو الحزب الثوري، حزب العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وهو حزب لا يمكن أن يقوم بالتغيير إلا عن طريق الكفاح المسلح(…)، إذ تستحيل الإطاحة بهذا النظام عن طريق المظاهرات والإضرابات، لأنه نظام عنيف.. ولم يتعامل مع شعبنا إلا بالعنف)) (عبد العزيز المنبهي. المساء 11 نونبر 2013).

لا خيار إذن، ولا اختيار، إلا ما بين تجربة تونس وليبيا ومصر وبين الطموح المغربي، إلى استقرار نموذجي، ينطلق من تقليم الأظافر الشوكية(…)، لهذه الديمقراطية الشكلية(…) والتي يفهمها كل واحد، من منظور موقعه الشخصي.

وقد تسربت مؤخرا، إلى مسامع الرأي العام الشعبي، تفاصيل عن تصرفات بعض الذين تسلموا مهمة الإشراف على مواقع متميزة، وضعتهم فيها الثقة الملكية، وكان مفروضا فيهم أن يكونوا عند حسن ظن هذه النية، ولكن جشعهم، وتسابقهم فيما بينهم للاستغناء اللامشروع، وتهريب بعضهم، لاستثماراتهم الشخصية خارج المغرب(…) لأن أغلبهم لا ثقة لهم في هذا المغرب، ولا في كيانه القائم، إذن لا ثقة لهم حتى في النظام الذي أعطاهم ثقته، وها نحن نتتبع لجان البحث وخبراء الحسابات، لتدارك أوضاع عدة مؤسسات، ائتمنهم عليها النظام الذي وثق فيهم، فسلبوها ونهبوها وتركوها قاعا صفصفا خاوية على أطراف عروشها(…) لنفهم ماذا يقصده النائب الاتحادي حسن طارق، بقوله: ((نصف ثروات المغاربة يوجد لدى أعضاء الحكومة الأغنياء، ولا أحد يعرف من أين.. ولا كيف اغتنوا.. ولو عرف المغاربة لكفروا بالديمقراطية والانتخابات)) (الخبر. 14 نونبر 2013).

بينما الوزير الأزمي، المكلف بالميزانية، افتقد – بحكم منصبه – الجرأة ليعطي التفاصيل عن ما قال عنه ((34 مليار يتم تهريبها سنويا من المغرب)) ولا ندري، هل هو يدري، من هم هؤلاء الذين يهربون هذه الملايير، التي لو بقيت في المغرب أو حوسب مهربوها، لكان المغرب من أغنى دول العالم.

ورغم ذلك يصفق المغاربة، لبعض القرارات الملكية التي واكبت هذه الأحداث(…) والتي كان أهمها تعيين وزير الداخلية حصاد، الذي جاء مكلفا – كما يبدو من تحركاته الأولى- بالبحث عن المفسدين، وشرع فعلا في التوقيف والمتابعة والافتحاص.

حصاد هذا، الصهر السليف، لوزير الداخلية الأسبق شكيب بنموسى، والذي لا يجهل أحد، أنه أبعد هو أيضا من مهمته في الداخلية، لأنه تعرض لقصف من طرف القوات الرافضة لكل إصلاح، والراغبة في استمرار وضع يُحتفظ فيه بالمؤسسة الملكية، محاصرة مغلقة الأبواب(…)، لدرجة أصبح الخوف معها، على أن نفاجأ يوما ببلاغ يعلن إبعاد حصاد عن وزارة الداخلية، كما أبعد قبله أقطاب من الديوان الملكي، نفسه، وأقطاب من وزراء أبعدوا لأنهم لم يطأطئوا رؤوسهم للمجموعة التي كانت قبل 20 فبراير، تتصرف بلا وعي ولكن بالكثير من الطغيان.

وها هو الناطق باسم حزب الأصالة والمعاصرة بنشماس وكأنه يكرس هلعه من خطورة القرارات الجديدة لوزير الداخلية حصاد، يضرب على الطاولة في جلسة غرفة المستشارين، التي فقدت شرعيتها من الدستور الجديد، ويحتج:

((إنها مغامرة غير مسبوقة خطيرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إثر القنبلة(…) التي فجرتها المذكرة التي توصل بها الولاة(…) والعمال(…) من أجل تأخير صرف مستحقات المقاولات(…) إن هذه الجمرة من النار(…) تندرج ضمن الإجراءات المشؤومة(…) السابقة، لأنه يؤكد وللمرة الألف صحة تخوفاتنا)) (بنشماس. الأصالة والمعاصرة في 3 دجنبر 2013).

الخوف على عدم استمرار الوزير حصاد في الداخلية، ينطلق من مصائر وزراء الداخلية الذين سبقوه، والذين تخضع قرارات تغييرهم لمقاييس غولية(…) جعلت المغرب منذ تولي الملك محمد السادس عرش المغرب، يسجل أكبر عدد من وزراء الداخلية في تاريخ الحكومات العالمية: الميداوي، جطو، مصطفى الساهل، شكيب بنموسى، الطيب الشرقاوي، امحاند العنصر، محمد حصاد. وكان امحاند العنصر، وزير الداخلية الذي لم يكن يحرك الدجاجة عن بيضها، ورغم ذلك فقد كان رئيسا لحزب الحركة الشعبية أربعين عاما ولكنه لم يبق في الداخلية إلا ستة عشر شهرا، وربما كانت غلطته، كما يقول المتتبعون، أنه عندما ضربت الشرطة بعنف المتظاهرين الذين احتجوا على التلاعب الذي حصل بعد العفو عن الإسباني دنييل، صرح العنصر بأنه ليس هو الذي أعطى الأوامر للبوليس، لضرب المتظاهرين، فكان لابد أن يبعد ويعطى نصف وزارة، بعد أن كان وزيرا في أم الوزارات.

* مدير أسبوعية “الأسبوع الصحفي”.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة