عبد اللطيف أعمو : على هامش ترحيل أنشطة ثقافية من تيزنيت إلى مركز الجهة

الوطن الأن21 ديسمبر 2016آخر تحديث :
عبد اللطيف أعمو : على هامش ترحيل أنشطة ثقافية من تيزنيت إلى مركز الجهة

السياسات الثقافية الجهوية:

التحرر والانفتاح والابتكار والتضامن

إن العمل والإبداع الثقافي في علاقته مع سياسة المدينة معقد ومتعدد الأشكال والجوانب، وينهج مسارا فنيا خالصا مرتبطا بالجانب الإبداعي والفني والتقني، وجانبا آخر معززا للتراث في جوانبه المادية و اللآمادية، وجانبا مرتبطا بالتفاعل مع المحيط في تقاربه مع الفاعلين السياسيين بشكل يمنح للمتدخلين في الجماعات الترابية أداة مميزة في خدمة المشاريع الحضرية، وخصوصا منها التربوية والاجتماعية والبيئية.

إن الدور الخاص للفنون والثقافة في إثراء وإغناء كل شخص داخل المجتمع والارتقاء بوعيه وإحساسه بالانتماء، بجانب تنمية مداركه وقدراته وكفاءاته في مسار التحول الاجتماعي وإعادة الاعتبار للوظائف الحضرية والتنمية المحلية للمجال من مسلمات التنمية في منظورها الشمولي، ولا أحد يجادل في جدواها وأهميتها اليوم.

ومع ذلك، فإن الإندماج في السياسة الثقافية للمدينة لا يزال خجولا ويعاني من عدة صعوبات، من ضمنها: التضارب والفصل الرفيع بين الإبداع الفني والتنشيط الثقافي، وصعوبة تحليل العلاقة والروابط المفصلية بين توفير التجهيزات والبنيات الثقافية وتجويد الأداء الفني والثقافي من خلال المساهمة في تكوين الفنان والرفع من قدراته الإبداعية والرفع من مشاركة السكان النوعية في الفعل الثقافي والإبداعي، والحفاظ على مكانة الفنان والمبدع داخل المجال كفاعل وكحامل لمشروع.

ومن الصعوبات القائمة كذلك الإبقاء على نوع من الضبابية والغموض والتشويش في الروابط القائمة بين العمل السياسي والفعل الثقافي من جهة أخرى، والذي تحكمه غالبا معايير غير موضوعية، وأحكام مسبقة وتصنيفات غير منطقية نابعة من مزاجية اللحظة والموسمية والزبونية أحيانا أخرى – وهو ما قد يسري على المجال الرياضي كذلك-

أكيد أن الفعل الثقافي والفني ليس نهجا ولا طموحا فنيا صرفا أو هدفا جماليا بحتا، بل إن أهميته تكمن في حديثه مع العقل وحواره مع الوجدان والعواطف، وفي مساهمته في تغيير وتطوير التمثلات الاجتماعية والثقافية السائدة représentations sociales et culturelles للمجال وللعيش المشترك.

كما أن التمازج والتلاقح في الفعل الثقافي، يعزز ويقوي لدى الفرد والجماعة الاستعداد لتقبل التغيير، جراء الالتقاء مع الآخر والتحاور والتواصل الفني والمعرفي معه، على قدم المساواة. وهو عكس الاحتواء.

وفي هذا السياق، فالمشروع الثقافي الذي بدأ يتبلور في تيزنيت في العقود الأخيرة بشكل مهيكل ينطلق من عنصرين أساسيين:

تحقيق أكبر قدر من التحرر والانفتاح، من منطلق جعل ساكنة المدينة – والشباب بشكل خاص – تعتمد على نفسها وتتحرر من كل أشكال التبعية، لأن التبعية تؤدي إلى الزبونية والولاءات، والتنمية الثقافية تشجع بالعكس على التحرر الإيجابي من قيود التبعية وتخلق جوا محفزا على حرية النقاش والإبداع.
الثقافة تصنع المجتمع، وتؤهل القدرات لتبادل الآراء وتقاطعها، وتعطي قيمة للعقل وتوفر الأرضية لقبول الآخر والتعاون والبناء المشترك construire avec l’autre، كما أن الثقافة تحفز على التفكير الإيجابي وعلى السلوكات المواطنة السوية.
وفي سياق آخر، فإن جهود حفظ الذاكرة الجماعية آخذة في التنامي، ومن المهم أن نتعلم كيف نتأقلم مع العامل الزمني الذي سيستغرق وقتا طويلا، لأن جهد سبر أغوار الذاكرة فعل طويل الأمد ومكلف ماديا ومعنويا للجماعة. فالمدن العتيقة في جهة سوس ماسة كتيزنيت وتارودانت تمنح المجال الترابي المناسب والفضاء التراثي الملائم لمثل هذا الفعل الاستكشافي.

إن عملية استجلاء وحفظ الذاكرة ترتكز على جوانب متعددة ومتنوعة. والاشتغال على الذاكرة، هو قبول الاعتراف بأننا في صيرورة ونشتغل في تفاعل إيجابي مع ذكريات الماضي لاستشراف المستقبل الواعد، من خلال الشعر والنثر والغناء والرسم والتشكيل وتوظيف التقنيات الحديثة وسبل التفاعل والتواصل الجديدة…

وفي هذا السياق، فبعض المهرجانات المروجة للثقافة واللغة الأمازيغية وللتراث المادي واللآمادي للمدينة وصلت إلى مستوى النضج باعتبارها من المشاريع الثقافية “النهضوية”، باعتبار أن المهرجانات من هذا المنظور ليست فقط أداة للترويج والتعريف بالفنون، ولكنها أيضا مصدر لدمقرطة ولامركزية الثقافة.

كما ينظر إليها كذلك كأداة للتنمية، التي يؤسس لها وفقا لتوجهات أساسية، من ضمنها: الجذب السياحي والترفيه والتنشيط وإعادة الاعتبار للتراث.

وهذه المهرجانات هي كذلك أدوات وآليات فعالة للتواصل لا بالنسبة للجماعات الترابية فحسب، بل بالنسبة للشركات الحاضنة وللفاعلين الاقتصاديين…

فالدولة تضع سياسة ثقافية لامركزية، من منطلق أن الحياة الثقافية التي ركزت في السابق على محورية العرض الثقافي في محور الرباط – الدار البيضاء بدأت تتمدد وتمتد إلى الجهات الأخرى، وتتوخى إنهاء الطابع النخبوي لتداول المنتوج الثقافي.

وعلى الجماعات الترابية وشركاءها أن تؤكد انخراطها في دعم جهد المدن المتوسطة لتوطين المشاريع الثقافية، التي تعتمد على ثلاثة أنواع من الدوافع من أبرزها: المشروع الثقافي والمشروع السياحي والمشروع الاجتماعي.

وخروجا عن هذا السياق، لاحظنا في المدة الأخيرة محاولة تهريب بعض الأنشطة “النهضوية” التي تستنبط غايتها من العناصر السابقة الذكر من تيزنيت إلى وجهة أخرى، وهو توجه لا يسير في اتجاه دعم ركائز النهضة الثقافية بالمدن التاريخية، التي تتعزز وتتكامل فيها بشكل منسجم عناصر: أجواء المدينة وروح التفاعل بين المكونات الثقافية الأصيلة (الإنسان والتراث والتاريخ) من أجل خلق نهضة إبداعية وتوفير عناصر الجذب السياحي للمواقع التراثية بجانب عنصر الترفيه والتسلية لتشكل لوحة جذابة ومغرية، على عكس الصورة التي تقدمها المدينة القطب التي تتميز بوظائف خدماتية تجارية مهيكلة أكثر منها تراثية وتاريخية … اللهم ما تنتجه اعتمادا على عبقرية ومواهب خلاقة في مختلف أجناس الثقافة.

إن عناصر الجذب والانسجام مع الفضاء، والتي تجتمع في أجواء تيزنيت وتارودانت مثلا تكاد لا تتوفر في مدينة أكادير التي أصبحت مدينة محورية métropole بنشاطها السياحي والتجاري المهيكل حول الخليج (balnéaire)

ومن المحبط، أن نرى، جهات تحاول، بدلا من الحفاظ على الانسجام والتكامل الجهوي، أن تحول العديد من الأنشطة والتظاهرات أو تهربها من مهدها إلى جهات غير مؤهلة لاحتضانها واستقبالها، وتتعمد إفراغ “البلد الخلفي” arrière pays وتهميش المدن الضواحي والمحيطة بالمدينة القطب الجهوي، كما حصل في تهريب مهرجان تايري ن واكال الذي نبت وترعرع بمدينة تيزنيت منذ ثلاث سنوات بمناسبة الاحتفال بالسنة الأمازيغية.

إن الحديث عن اللامركزية الثقافية وعن الحكامة الثقافية، ورغم وجود رغبة لدى الدولة لاستعادة السيطرة على توجهات الشأن الثقافي العام، يحيلنا على الدور المحوري للجهات، بحكم أننا نتجه نحو مرحلة جديدة من اللامركزية تعترف بالاختصاص العام للجهات، كمحفز للابتكار في مجال السياسات الثقافية.

وتفعيل الجهوية الموسعة يقتضي منا أن نتحرك نحو توضيح المسؤوليات مع نقل الاختصاصات والإمكانيات نحو الجهات آخذين بعين الاعتبار مهام الجماعات الترابية في (التكوين، والتنمية الاقتصادية، وإعداد التراب) على شكل قيادة تعاقدية من خلال اتفاقيات متعددة الأطراف، مما سيعزز فيما بعد البعد التعاضدي والتشاركي للسياسات الثقافية وطنيا وجهويا.

وعلينا أن نتحرك نحو المسؤوليات المشتركة، في سياق سياسات تعاقدية تدرج التعددية الثقافية والخصوصية الترابية.

وهذا يقتضي في المقام الأول ابتكار أدوات وآليات جديدة للحكامة الثقافية يعهد للجهات بتأطيرها وتحريكها كمسهل للتفاعل وكمجال للتجريب بامتياز.

وأكيد بأن الجهة ستحتل في نهاية المطاف مرتبة “الريادة” وستصبح بمثابة “الوسيط ” على المستوى الثقافي. فهي مدعوة إلى الدخول في حوار مع الدولة، ومع مختلف جهات العالم بحكم صلاحيات التعاون الدولي اللآممركز المخولة للجماعات الترابية.

لذلك، يتعين الكف عن أسلوب التهريب والتمييز والتمركز الجهوي من خلال إفراغ الثقافة الأصيلة من محيطها الطبيعي الحاضن وإفطامها قسرا وقهرا.

وعلى النخبة السياسية الجهوية، وعلى الفاعلين الثقافيين جهويا، أن يبرهنوا عن مدى قدرتهم على تحمل مسؤولية هذا البعد الثقافي، من خلال دعم عنصرين أساسيين:

الابتكار.
لأن الجهات نضجت، وتتوفر على خدمات مناسبة، وتدرك قدراتها التمويلية واللوجيستية، وتستطيع بناء شراكات واعدة. وعلينا النظر إليها كفضاءات للابتكار والإبداع في المجال الثقافي.

ومما يسهل قدرتها على الابتكار في مجال دعم الثقافة، أنها على عكس الجهاز الحكومي المختص والجماعات المحلية، ليست ملزمة بالإدارة المباشرة للتجهيزات والبنيات الثقافية الثقيلة. مما يؤهلها أكثر لتولي وظيفة المنشط الترابي بامتياز.

التضامن
ويتمثل العنصر الثاني في التضامن، بحكم أن لدى الجهات كفاءة الإدارة والإعداد الترابي الذي يسمح بالتعبير الكامل عن التضامن بين مكونات الجهة. فإذا كان 40.8٪ من السكان الجهويين يعيشون اليوم في المجالات الحضرية، فالسؤال المطروح هو الفجوة بين المناطق الحضرية والقروية، وبين المناطق الغنية والفقيرة. والثقافة هي من ” الحاجيات الأساسية القيمة ” التي يجب أن تتوزع نوعيا على مجموع التراب الجهوي، ونضمن ونعزز من خلال التوزيع العادل كما ونوعا وصولها للجميع.

وفكرة التضامن بين مكونات الجهة منصهرة ومندمجة مع فكرة تقاسم المنتوج الثقافي باعتبارها معطى أساسي يجب أن يخضع لتقييم دقيق ولرؤية استشرافية بمقاربة تشاركية.

فالثقافة هي الرباط وصلة الوصل بين الأفراد. وبالتحفيز على روح الابتكار والتضامن التي تميز الجهات، علينا أن نستحضرها في كل سياساتنا، سواء الترابية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية، وسواء تعلق الأمر بقطاعات السكن أو السياحة أو التربية …

وعلى مستوى مكونات الجهة، يتعين الإلحاح على عنصر داخلي يتمثل في التكامل بين عناصر العرض الثقافي على المستوى الترابي، وتجنب تركيز المحتوى والسقوط في التكرار الممل للأنشطة الفنية. فالتكامل والتناسق يعززان الانسجام العام، ويقويان مناعة وحصانة السياسة الجهوية في مواجهة الرهانات والتحديات المستقبلية، وعلى رأسها التحدي الرقمي ورهانات التعاون الدولي.

فالتغيرات المرتبطة بالطفرة الرقمية وتأثيرها على الأنشطة الفنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية تستدعي خططا وبرامج جهوية تعتمد عناصر الابتكار والتضامن من خلال التغطية الواسعة بشبكة الأنترنيت، ودمقرطة الولوج إلى الخدمات الرقمية وتشجيع توطين الشركات والمؤسسات المختصة في المجال ودعم الإنتاج الفني الرقمي …

وبخصوص التعاون الدولي، ففي مواجهة مخاطر العولمة التي تميل إلى توحيد العرض والمحتوى الثقافي ووضع قالب أحادي للمنتوج الثقافي – مثله مثل المواد الاستهلاكية الأخرى – علينا الحرص على تقوية عنصر التعدد الثقافي في اتفاقيات التعاون اللآممركز. فجهتنا مثلها مثل باقي الجهات في حاجة إلى إعطاء بعد ثقافي أقوى لشراكتها مع الخارج، والدفاع عن الخصوصيات الثقافية التي تصنع الهوية المتحررة من قيود التبعية والرتابة والمنفتحة على الآخر بدون مركب نقص أو ضعف .

عبد اللطيف أعمو

دجنبر 2016

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة