مع كل زخة مطر تعود إلى الواجهة معاناة سكان الأحياء الملحقة بمدينة تيزنيت، وهي الأحياء التي يُفترض أنها ضُخت في النسيج الحضري لتستفيد من التنمية، لكنها ظلت “خارج التغطية” بنيوياً. ويعد حي “بوتيني” اليوم العنوان الأبرز لهذه المعاناة، حيث تحولت مسالكه إلى برك مائية وأوحال تعزل الساكنة وتكشف هشاشة التدبير المحلي، ليتجدد السؤال: أين اختفت شعارات “تنمية الأحياء الهامشية”؟
لم تكن التساقطات الأخيرة في تيزنيت مجرد حدث مناخي، بل كانت “اختباراً للمصداقية” فشلت فيه البنية التحتية بحي بوتيني. الصور القادمة من الحي تنقل واقعاً كارثياً؛ طرق غير معبدة، صعوبة في التنقل للطلبة والموظفين، وعزلة تفرضها الأوحال. هذا الوضع ليس وليد اليوم، بل هو نتاج سنوات من التهميش المستمر الذي يجعل سكان هذه المناطق يشعرون بأنهم “مواطنون من الدرجة الثانية” ينتظرون التفاتة قد لا تأتي قريباً.
خلال الحملة الانتخابية لعام 2021، قاد حزب التجمع الوطني للأحرار بتيزنيت حملة انتخابية قوية ارتكزت على القرب والتغيير. ومن أبرز الوعود التي قُدمت للساكنة آنذاك:
تأهيل الأحياء الناقصة التجهيز: الالتزام بجعل الأحياء الهامشية (ومنها بوتيني) أولوية في التجهيز لضمان كرامة العيش.
فك العزلة الحضرية: ربط الأحياء الملحقة بمركز المدينة عبر شبكة طرقية حديثة.
تحسين جودة الخدمات الأساسية: من إنارة، تطهير سائل، وفضاءات خضراء.
شعار “تستاهل أحسن”: الذي كان يَعِد الساكنة بنقلة نوعية في تدبير الشأن المحلي تنهي حقبة “الجمود”.
اليوم، وبعد مرور 5 سنوات على عمر المجلس الجماعي لتيزنيت، يرى المتابعون أن هذه الوعود لم تجد طريقها للتنفيذ في حي بوتيني، مما خلق حالة من الإحباط لدى الناخبين الذين صدقوا شعارات “مسار التنمية”.
عند فحص برنامج عمل جماعة تيزنيت لولاية 2022-2027، نجد أن الوثيقة لم تغفل نظرياً معاناة الأحياء الملحقة، بل وضعت “تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز” كأحد المحاور الاستراتيجية الكبرى للحد من الفوارق المجالية داخل المدينة. ومع ذلك، يظل الفارق شاسعاً بين ما سُطّر في المكاتب وما يعيشه المواطن في أزقة حي “بوتيني” الموحلة.
تضمن البرنامج مجموعة من المشاريع التي كان من المفترض أن تغير وجه هذه الأحياء، وعلى رأسها:
مشروع التطهير السائل: الذي يُعد حجر الزاوية في أي عملية تأهيل، حيث تم رصد اعتمادات لربط الأحياء الهامشية بالشبكة الرئيسية لإنهاء حقبة “المطامير” وما يرافقها من أخطار بيئية وصحية، لكن هذا المشروع لا يزال يراوح مكانه دون أثر ملموس على أرض الواقع رغم إطلاق الصفقات مؤخرا .
برنامج تأهيل المسالك والطرق الحضرية: خُصصت له ميزانيات ضمن شراكات مع قطاعات حكومية، ويهدف إلى تزفيت وتبليط أزقة حي “بوتيني” والأحياء المجاورة، غير أن الساكنة لم تلمس أي تقدم ميداني.
رغم مرور شطر مهم من الولاية الانتدابية الحالية، إلا أن المتتبع للشأن المحلي بتيزنيت يلاحظ غياب أي انطلاقة فعلية لهذه الأوراش الكبرى في الأحياء الملحقة . فبينما يتم التركيز أحياناً على تزيين مركز المدينة أو مشاريع ثانوية، يظل “الجوهر التنموي” المتمثل في كرامة عيش سكان بوتيني معلقاً حتى إشعار آخر.
إن استمرار الوضع في حي بوتيني لم يعد مقبولاً، وهو ما يضع المجلس الجماعي والسلطات الإقليمية أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية. إن “تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز” لا يجب أن يظل مجرد عنوان في تقارير الاجتماعات، بل يجب أن يتحول إلى ورش مفتوح ينهي معاناة المواطنين مع الطين والعزلة. فهل تتحرك جماعة تيزنيت للوفاء بالتزاماتها، أم أن ساكنة “بوتيني” محكوم عليها بانتظار دورة انتخابية أخرى لتسمع وعوداً جديدة؟



















Sorry Comments are closed