في سابقة سياسية تثير الكثير من التساؤلات حول جدوى العمل الحزبي، خرج علينا السيد إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، بمقال “تبشيري” يدعو فيه إلى تنصيب فوزي لقجع رئيساً للحكومة. ولم يكن المقال مجرد تعبير عن رأي، بل كان بمثابة “شهادة وفاة” طوعية يقدمها زعيم حزبي ضد المؤسسات التي يُفترض أنه أحد حراسها، معلناً استسلام “السياسي” أمام “التقنوقراطي” في أبشع صور الانهزامية.
مركب النقص والهروب من الصندوق
أول ما يثير الانتباه في طرح شارية هو ذلك “المؤشر النفسي” الذي يشي بمركب نقص عميق تجاه القدرة على التنافس الانتخابي. حين يتحدث أمين عام حزب عن “عجز الأحزاب السياسية عن تقديم بديل حقيقي”، فهو لا يمارس النقد الذاتي البناء، بل يجلد الذات الحزبية حدَّ الإعدام. وكأنه يقول للمغاربة: “نحن كأحزاب لسنا مؤهلين للحكم، فابحثوا لكم عن منقذ من خارج صناديق الاقتراع”.
هذا الاستجداء الصريح لفوزي لقجع، وتصويره في هيئة “المخلص” القادم من عوالم الملاعب، يعكس رغبة دفينة في القفز فوق المسار الديمقراطي. إنها محاولة للبحث عن “شرعية الإنجاز الرياضي” لتعويض “العقم في الإنجاز السياسي”، وهو طرح يكرس النظرة الدونية للعمل الحزبي ويجعل من الأحزاب مجرد “كومبارس” في مسرحية يقودها “التكنوقراط الناجحون”.
التناقض الصارخ: لقجع هو أخنوش.. وأخنوش هو لقجع!
سقط السيد شارية في فخ التناقض “السكيزوفريني” وهو يوزع الاتهامات، فبينما صب جام غضبه على رئيس الحكومة عزيز أخنوش، متهماً إياه بـ”الجرائم في حق الاقتصاد”، نسي أو تناسى أن فوزي لقجع ليس غريباً عن هذه “الجرائم” المزعومة.
لقجع ليس مجرد رئيس جامعة كرة القدم؛ بل هو الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أي “مهندس” الأرقام والسياسات المالية التي يشتكي منها شارية. فكيف يستقيم في منطق العقل السياسي أن يكون المرء “شريكاً في الفشل” كوزير، و”مخلصاً من الفشل” كرئيس حكومة مفترض؟ إن محاولة شارية فصل “لقجع الرياضي” عن “لقجع المالي” هي عملية تجميل سياسية فاشلة، تهدف لبيع الوهم للمواطن البسيط عبر استغلال العواطف الكروية الجياشة.
من الأحزاب الوطنية إلى “روابط المشجعين”
لعل أخطر ما جاء في مقال شارية هو دعوته الأحزاب الوطنية إلى الانحصار في دور “المساندة لهذا التوجه الجديد”. هنا نجد أنفسنا أمام دعوة صريحة لـ”تأميم السياسة” وإلغاء التعددية. شارية يريد تحويل الأحزاب من مؤسسات دستورية لإنتاج النخب والبرامج، إلى “روابط مشجعين” تصفق لنجاحات الإدارة الترابية والأمنية والرياضية.
إن ربط مصير أمة وتحدياتها الاقتصادية والاجتماعية المعقدة بنجاح تنظيمي في “مونديال” أو “كان”، هو تسطيح مخيف للسياسة. فالدول لا تدار بـ”صافرة الحكم”، ومشاكل الصحة والتعليم التي استجدى فيها شارية حكمة المؤسسة الملكية، لا تحل بتكتيكات “4-4-2″، بل بمشاريع سياسية نابعة من تعاقدات شعبية واضحة.
هل نحن أمام “حزب” أم “وكالة لجس النبض”؟
إن خطاب إسحاق شارية لا يخدم المسار الديمقراطي المغربي، بل يضعف “الثقة في المؤسسات” التي يدعي الدفاع عنها. إن السياسي الذي يرى في “التعيين” حلاً وفي “التقنوقراط” بديلاً، هو سياسي أعلن إفلاسه رسمياً.
يبقى السؤال الموجه للأمين العام: إذا كانت الأحزاب فاشلة، وإذا كان الحل في التوافق حول شخصية تقنوقراطية خارج اللعبة الانتخابية، فما هي القيمة المضافة لحزبكم؟ ولماذا تستمرون في شغل المشهد السياسي إذا كنتم غير جاهزين للمنافسة وتنتظرون “النهضة الكروية” لتكون عربوناً لنهضة وطنية؟
إن المغرب الصاعد يحتاج إلى أحزاب قوية تمتلك الجرأة لتقديم البدائل، لا إلى نخب سياسية تمارس “الانتظارية” وتستجدي الحلول من الملاعب والمكاتب المكيفة.
عبد الله صمايو

















Sorry Comments are closed