قدم مشروع إعادة تأهيل بناية بالسوق الأسبوعي الخميس بمدينة تيزنيت، وبالضبط داخل فضاء الجملة، للرأي العام المحلي على أنه مبادرة تنموية طموحة تروم تحويل البناية إلى ما سمي بـ«الفضاء الثالث»، باعتباره فضاء يعزز الدينامية الثقافية. هكذا سوق رئيس المجلس الجماعي للمشروع خلال ندوته الصحفية بتاريخ 21 أكتوبر 2024، بخطاب منمق وانتقائي، خلا من المعطيات الجوهرية، وغاب عنه أهم ما يهم المواطن .
غير أن انطلاق الأشغال أسقط القناع سريعا، وكشف ما لم يقل للرأي العام. فقد تبين للمهنيين والفلاحين، الذين يشكل فضاء الجملة مصدر عيشهم الوحيد، أن المشروع لا يتعلق بإعادة تأهيل جزئية أو تدخل محدود في بناية معزولة، كما أوحي بذلك، بل يشمل اقتطاعا واسعا وخطيرا من قلب فضاء الجملة نفسه، بنسبة تقدر بـ67٪ من مساحته، وهو ما يعني عمليا تهجير أكثر من 84 مهنيا وفلاحا من أماكن عرض سلعهم، دون إشراكهم، ودون إشعار مسبق، ودون توفير أي بدائل واقعية تضمن استمرارية نشاطهم وكرامة عيشهم.
هنا يطرح السؤال الجوهري، بعيدا عن لغة الخشب والشعارات الجوفاء:
هل «الفضاء الثالث» أولى من فضاء الجملة؟
وهل فضاء غامض الوظائف، غير واضح الجدوى ولا محدد الأهداف، أولى من سوق قائم، حي، يشتغل فعليا، ويعيل عشرات الأسر، ويدر مداخيل مهمة على الجماعة، ويعد ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد المحلي؟
إن خطورة هذا المشروع لا تكمن فقط في نتائجه الاجتماعية القاسية، بل في الكيفية التي تم بها تمريره وتسويقه، والتي اتسمت بـ:
غموض متعمد في العرض والتقديم؛
تغييب كامل للمعنيين المباشرين، وهم المهنيون والفلاحون،
وندوة صحفية افتقدت للجرأة السياسية في مصارحة الرأي العام بحقيقة المشروع وآثاره.
فلماذا لم يتم التصريح منذ البداية بأن المشروع سيأخذ قسطا مهما من فضاء سوق الجملة؟
ولماذا جرى عنونته بـ«تأهيل بناية متواجدة بسوق الجملة»، دون توضيح أنه يتضمن دمج مساحة حيوية من فضاء الجملة نفسه ضمن المشروع، وما سيترتب عن ذلك من إقصاء مباشر لعشرات المهنيين والفلاحين؟
أكان ذلك سهوا تواصليا، أم اختيارا مقصودا لتفادي النقاش العمومي والمساءلة؟
إن التنمية الحقيقية لا تبنى على حساب الفئات الهشة، ولا تفرض بمنطق الأمر الواقع، ولا تسوق بنصف الحقيقة. التنمية تعني الإنصات، والتشاركية، والشفافية، واحترام الحق في الشغل والعيش الكريم، قبل التفكير في الواجهات، والتسميات المستوردة، والشعارات الرنانة.
إن تهجير عشرات المهنيين والفلاحين من فضاء الجملة ليس قرارا تقنيا عابرا، بل هو قرار سياسي بامتياز، ذو تبعات اجتماعية واقتصادية خطيرة، لا يمكن تبريره بخطاب ثقافي فضفاض، ولا بمفاهيم غائمة من قبيل «الفضاء الثالث». فالمجالس المنتخبة وجدت لحماية مصالح الساكنة والدفاع عن حقوقها، لا لمفاجأتها بقرارات تمس قوتها اليومي، وتحولها إلى ضحايا “تنمية” لا ترى في الإنسان سوى رقم قابل للإزاحة.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يطالب الرأي العام المحلي بإجابات واضحة لا تحتمل التأجيل:
أين سيذهب هؤلاء المهنيون والفلاحون؟
ما هي البدائل الواقعية التي تم إعدادها قبل الشروع في الأشغال؟
ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الإقصاء؟















Sorry Comments are closed