دخل العالم عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة مفارقة صارخة يرسم ملامحها البيت الأبيض، فبينما تقرع إدارة دونالد ترامب بيد طبول الحرب تارة عبر التلويح بالتصعيد العسكري وتارة بضغوط سيبرانية وتجارية عابرة للقارات، تمد يدها الأخرى لتأسيس “مجلس السلام”.
هذا المشهد الذي يبدو متناقضاً في ظاهره، ليس في جوهره سوى استراتيجية أنانية منهجية تعيد تعريف النظام الدولي بوصفه ساحة للصفقات الشخصية لا للقواعد القانونية العادلة، حيث تبرز محاولة واضحة نحو خوصصة الدبلوماسية العالمية عبر هذا المجلس الذي يطرح عضوية قائمة على شروط مالية وسياسية محددة. إنه ليس مجرد بديل للأمم المتحدة التي أضعفتها الانسحابات المتتالية لأمريكا من منظمات ومؤسساتها، بل هو تحويل للسلام إلى نادي للقوى التي تملك القدرة على الدفع أو الإذعان، في تكريس واضح لمنطق القيادة الأحادية التي ترفض الشراكة الندية.
وتتجلى سيميائية هذا التوجه في دعوة المغرب كأول دولة عربية وإفريقية لعضوية هذا المجلس، مع دلالة استثنائية تمثلت في إعفائه من رسوم المليار دولار المشروطة. إن هذا الإعفاء لا ينبغي أن يُقرأ كمنحة، بل كاعتراف صريح بأن رأس المال الدبلوماسي والأمني العريق الذي يمثله المغرب، بصفته صلة وصل استراتيجية وصمام أمان إقليمي، هو قيمة تفوق بكثير أي تقدير مادي. فالإدارة الأمريكية تدرك هنا أن الثقل النوعي للدول “المخضرمة” هو العملة الحقيقية التي يحتاجها أي نظام عالمي يروم الاستقرار، وهو ما يؤكد أن الجوهر الاقتصادي للصراعات، وإن تدثر بغلاف سياسي، يصطدم في النهاية بحقائق الجغرافيا والتاريخ التي لا تشترى بالمال.
فبينما تشتد المحاولات لاحتكار المادة عبر التحكم في سلاسل إمداد التقنية وتوظيفها كسلاح سياسي، يبرز المتغير الأهم وهو تفوق العقول والقدرة على المناورة الجيوسياسية؛ فالعالم اليوم أصبح ناضجاً لدرجة أنه بدأ يبتكر مسارات بديلة للالتفاف على القلاع المادية، محولاً مفهوم القوة من وسيلة لفرض التبعية والهيمنة، إلى درعٍ يحمي استقلال وقرار الدول التي تملك الرؤية السيادية، حتى وإن لم تكن تملك ثروات مادية ضخمة.
كما إن هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن شيخوخة النظام العالمي الموروث، مما خلق فرصة تاريخية للانعتاق، فالنظام القديم متهالك، وما نراه اليوم من فوضى ترمبية ليس إلا المعول الذي يهدم الجدران المتآكلة ليفسح المجال لمخاض نظام جديد يولد من رحم الضغوط.
وفي نهاية المطاف، تظل الترمبية بطبيعتها القائمة على التمركز حول الذات عدواً طبيعياً للتعايش والنسقية الدولية التي تتطلب التفاهم والنظام، مما يجعل طي هذه المرحلة حتمية نسقية.
إن العالم بتركيبته التعددية لا يمكن أن يُختزل في عقلية الصفقات العابرة، وإذا كان هذا العام هو عام المواجهة الكبرى بين منطق الأنا ومنطق المؤسسة، فإن موازين القوى تتجه نحو العبور نحو نظام عالمي أكثر قوة وديموقراطية وحصانة ضد المزاجية الفردية. فالنظام القادم لن يواجه مجرد رئيس، بل سيمثل منعطفاً تاريخياً يجبر الجميع على الابتكار الجماعي لضمان بقاء واستقرار الكوكب، بعيداً عن إملاءات القطب الواحد، وفي قلب هذا التحول تبرز نماذج كالمغرب لتؤكد أن السيادة الحقيقية تنبع من رصيد المصداقية والقدرة على صياغة التوازنات الصعبة في زمن التحولات الكبرى.















Sorry Comments are closed