لم تكن فعاليات كأس إفريقيا للأمم مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل تحولت، بالنسبة لكثير من المغاربة، إلى مرآة عاكسة لحقائق أعمق من كرة القدم، وكشفت عن دروس سياسية وثقافية وشعبية، تفرض اليوم وقفة تأمل صريحة في طريقة تعاطينا مع محيطنا العربي والإفريقي، ومع الاستحقاقات المقبلة داخليًا وخارجيًا.
أول هذه الدروس، وربما أكثرها إيلامًا، هو أن خطاب “خُوّة خُوّة” لم يعد له وجود فعلي على أرض الواقع، لا في علاقتنا ببعض الشعوب العربية، ولا حتى الإفريقية. فقد أظهرت مواقف جماهير وإعلاميين من دول مثل الجزائر ومصر، خلال منافسات البطولة، حجم التحامل غير المسبوق على المغرب، تنظيمًا وجمهورًا، رغم ما عرف به من حسن الضيافة، ونجاح لوجستي، واحترام لجميع المنتخبات. بل إن حجم التعاطف الذي أبدته هذه الأطراف مع منتخب السنغال، مقابل سيل الانتقادات الموجهة للمغرب، أعطى انطباعًا واضحًا بأن منطق العداء طغى على أي ادعاء للأخوة أو التقارب.
الدرس الثاني لا يقل قسوة، ويتعلق بعلاقتنا مع بعض الدول الإفريقية جنوب الصحراء، وعلى رأسها السنغال. فالمغرب، الذي لطالما قدّم نفسه كبلد عبور، واحتضان، وتكوين للأطر الإفريقية، وفتح مؤسساته ومعاهده الرياضية والإدارية أمام أبناء القارة، وجد نفسه أمام سلوكيات وتصريحات كشفت عن معدن مغاير لما كان يُسوَّق له. ما جرى من احتكاكات وتصرفات غير رياضية، سواء من بعض اللاعبين أو من المدرب السنغالي، الذي تلقى تكوينه ونال دبلوم “كاف أ” بالمغرب، أعاد طرح أسئلة محرجة حول منطق “الامتنان” وحدود الشراكة الحقيقية.
هذه الوقائع لا تعني تعميم الأحكام أو الدعوة إلى القطيعة، لكنها تفرض إعادة قراءة واقعية لعلاقات تُبنى غالبًا على العاطفة أكثر من المصالح المتبادلة. فالمغرب، دولةً وشعبًا، استثمر كثيرًا في العمق الإفريقي والعربي، سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، غير أن جزءًا من هذا الرأسمال الرمزي لم يُقابل دائمًا بالاحترام أو التقدير في اللحظات الحاسمة.
من هنا، يبرز درس ثالث لا يقل أهمية: ضرورة إعادة الاعتبار للمواطن المغربي أولًا. المواطن الذي يؤدي كلفة هذا “الانفتاح غير المشروط”، ويعاني يوميًا من تبعاته، سواء اجتماعيًا أو اقتصاديًا، في ظل تعاطف مفرط مع شعوب وجنسيات لا تتردد بعض مكوناتها في الإساءة للمغرب، أو الطعن في صورته، أو الاصطفاف ضده في المحافل الرياضية والإعلامية.
كأس إفريقيا للأمم، إذن، لم تكن فقط بطولة لكرة القدم، بل امتحانًا للوعي الجماعي. امتحانًا أكد أن العلاقات بين الدول والشعوب لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالشعارات العاطفية، بل بالمصالح الواضحة، والاحترام المتبادل، وحماية الكرامة الوطنية.
وربما يكون أهم ما خرج به المغاربة من هذا الحدث، هو إدراك أن حب الوطن يبدأ من الدفاع عنه، ومن وضع مصلحة المواطن المغربي فوق كل اعتبار، دون عقد، ودون أوهام “الأخوة” التي لا تصمد عند أول اختبار حقيقي.



















Sorry Comments are closed