يصر رئيس المجلس الإقليمي ورئيس الجماعة على ترديد أسطوانة “هناك خصوم يستهدفوننا في تيزنيت”، وكأن المشهد يضج بمعارضة وديناميات احتجاجية غير مسبوقة..سردية تثير الدهشة، ليس لأنها تنم عن يقظة سياسية لحقيقة واقعية، بل لخصم متخيل يعتقد الرئيسان أنه يتهدد تجربتهما السياسية “الرائدة”..إنها أعراض واضحة لبارانويا سياسية.
الحقيقة المرة أن الساحة المحلية خالية تماما من أي معارضة فعلية أو حراك احتجاجي ذي وزن، لا خطاب معارض مؤثر، لا تحالفات سياسية بديلة، لا احتجاجات شعبية تُذكر، ولا حتى حملات نقدية منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي..إنها صفحات هناك وهناك تقودها إلكترونات حرة تغطي فراغات معارضة منظمة ومؤسسة. في ظل هذا الفراغ، من المدهش أن رئيسي المؤسستين لا يجدان أفضل من استحضار “أعداء وهميين” ومعارك وهمية، و أرواح شريرة تطاردهما تختفي في أبراج المدينة صباحا وتتسلل ليلا لتغير عليهما.
تخيل الأعداء والخصوم ليس مجرد هذيان، بل هو محاولة لترويج وهم وجود مشروع وبرنامج مستهدفين، في الوقت الذي تعاني فيه الممارسة السياسية في البلاد عموما من فراغ حقيقي على مستوى الرؤية والتصورات والبرامج. هذا اللجوء إلى أسطوانة المؤامرة ليس مجرد خطاب سياسي رخيص، بل أعراض حالة سيكولوجية خطيرة عمقتها كيفية تعاملهما مع الانتخابات الجزئية الأخيرة بتيزنيت. فالتجمع الوطني للأحرار يتحدث عن اكتساح هذه الاستحقاقات، لكن سؤالا محرجا يطرحه الجميع، هل فاز بالفعل، أم أن أحدا لم يخض المنافسة أصلا؟ وكم نسبة المشاركة؟
مرضى البارانويا السياسية يعتقدون أن هناك “جيوش تشكيك” تحاربهم، وأن مشاركة بضعة أشخاص – في خضم مقاطعة واسعة النطاق – بمثابة استفتاء شعبي يعطيهم الشرعية الكاملة، ويجهدون أنفسهم في تحميل نتائج الانتخابات الجزئية أكثر مما تحتمل من قراءات احتفالية واحتفائية، متجاهلين أن ضعف المشاركة إنما هو رسالة انسحاب ورفض صامت، وليس تفويضا شعبياجديدا، وأن الأزمة كبيرة وتهدد العملية الانتخابية مع تنامي العزوف وفقدان الثقة في العملية برمتها.
إنها انتصارات الأعمش في مملكة العميان..نسبة المشاركة كانت ضعيفة جدا لدرجة تجعل أي فوز فيها مجرد انعكاس للفراغ، وليس دليلا على القوة أو المشروعية. وبينما يستعمل رئيسا المجلس والجماعة هذا “الاكتساح” كذريعة للتباهي ومبررا لاستمرارهما في نهجهما، فإن الدولة – ممثلة في المؤسسات الوصية – يقلقها حقا ذلك الضعف المريع في المشاركة، وغياب أي تنافسية حقيقية بين الأحزاب، واندثار النقاش حول البرامج مقابل صعود منطق “الربح بأي ثمن” أو الربح بدون منافس.
هذا الواقع يجعل من “الانتصار” في الانتخابات الجزئية مجرد فخ جديد، فبدل أن يكون دافعا لمراجعة الأخطاء، يتحول إلى غطاء إضافي للعجز، وبرهان وهمي على أن “الشعب معنا”.. لكن المواطن ، الذي تخلى عن صناديق الاقتراع أصلا، يقول بأفعاله إنه غير معني بصراعات صورية ولا بمؤامرات وهمية، بل يريد تدبيرا حقيقيا واستجابة لمشاكله اليومية.
الأدهى من ذلك أن هذا الخطاب يحقق لرئيسي المجلس والجماعة مكاسب لحظية، فهو يصرف الانتباه عن التساؤلات الحقيقية التي يطرحها المواطنون. فبدل أن يُسألا عن غياب الرؤية التنموية المندمجة، يُنصبان أنفسهما في موقع الضحايا.
إن غياب المعارضة والدينامية الاحتجاجية لا يعني الرضا، بل يعني انسحابا صامتا وانهيار الثقة في الفعل السياسي برمته. فالمواطن البسيط الذي يعاني ضعف الخدمات العموميات، لا يعنيه خصوم وهميون ولا تحالفات متخيلة، ولا حتى فوز في انتخابات جزئية بمشاركة ضعيفة. ما يعنيه هو إنجازات حقيقية، و أوراش مكتملة، ومساءلة شفافة، وتجفيف بؤر الفساد والريع، وأثر اقتصادي يلمسه في جيبه.
تجدر الإشارة، في ظل خطاب المؤامرة والبارانويا، إلى أن تجارب جماعية سابقة ، مع المواطنين والبنوراي وبوغضن، عرفت معارضة مؤسساتية قوية، وديناميات احتجاجية للمعطلين والساكنة والجمعيات، بل وعايشت حراكات شعبية مثل 20 فبراير، ولا نذكر أنهم انخرطوا في شيطنة هذه التعبيرات المعارضة، ولا جعلوها مشجبا لتبرير مشاكل التدبير اليومي للمجالس، هذه المقارنة تكشف عن تحول في ثقافة تمثل الاختلاف في الفضاء العام أو حتى صورة المعارضة، فبينما كانت المعارضة سابقا تُعتبر طرفا في المشهد،حتى لو كان مضايقا، فإنها اليوم – حتى في غيابها الفعلي – تستحضر كخطر يهدد التجربة برمتها.
ولعل رئيس المجلس الإقليمي هو الأكثر عرضة لمرض البارانويا السياسية، ويسكنه أكثر من غيره منطق نظرية المؤامرة في كثير من خرجاته، ويبدو أنه لا يعرف – أو يتناسى – أن تجربته السياسية عابرة ومجرد مرحلة، وأن منطق السياسة وسُنن الله في الكون يحكمها التدافع والصعود والهبوط، والمد والجزر.. إنه واهم من يعتقد أن جنته لن تبيد أبدا، أو أن عصاه لن تنكسر يوما، فالتاريخ المحلي مليء بأمثلة مَن راهنوا على الوهم والفراغ فانتهى بهم المطاف إلى لا شيء…أما أن يختفي التدبير وراء ذرائع المؤامرة، ويُقام الاحتفال بـ”انتصارات الأعمش”، فهذا هو الفشل بعينه، وربما أشد أنواع العجز السياسي خطورة على مستقبل المشهد برمته.
انتظار الدولة من الأحزاب تقديم برامج تنافسية ورفع نسبة المشاركة يبقى مجرد أمنية، في زمن يفضل فيه البعض العيش في قصور وهمية ومعارك وهمية وخصوم افتراضيين، وبدل رفع راية محاربة الأشباح والاحتفال بانتصارات صورية، على رئيسي المؤسستين أن يتحليا بالشجاعة لمراجعة أدائهما، وتقبل النقاش العمومي وتنسيب تجربتهما، والتحلي بالقدرة على تقبل النقد.. لعل ذلك أفضل من استمرار أعراض البارانويا التي لا تخدع أحدا سوى من يعانونها ومن يعتقدون أن “اكتساح الفراغ” ببضع أصوات انتصار حقيقي في مشهد رمادي حتى الدولة تعترف بأعطابه..















Sorry Comments are closed