سعيد رحيم… هل فهم وفد تيزنيت حقا غرونوبل ؟ أم اكتفى بالتقاط الصور ؟

الوطن الأنساعتين agoLast Update :
سعيد رحيم... هل فهم وفد تيزنيت حقا غرونوبل ؟ أم اكتفى بالتقاط الصور ؟
سعيد رحيم... هل فهم وفد تيزنيت حقا غرونوبل ؟ أم اكتفى بالتقاط الصور ؟

في شتنبر 2025، تألق الحضور السياسي لـلورانس روفان حين قرر تحالف يضم الخضر والشيوعيين اقتراحها كمرشحة توافقية. بعد شهرين، حققت ما يشبه الإنجاز السياسي المستحيل بجذب الغريم القديم، الحزب الاشتراكي، إلى التحالف، واضعة بذلك نهاية لصراع عمره 18 عاما بين الخضر والاشتراكيين.. وقبل أن نغوص في التفاصيل، دعونا نتعرف أكثر على من تقود سفينة غرونوبل اليوم..

العمدة الجديدة لورانس روفان، التي انتخبت قبل أشهر، تحمل رؤية واضحة ومعلنة”سأكون عمدة مُصغية ومُطالبة بالصرامة. نحن في خدمة سكان غرونوبل، ويجب علينا أن نجعل من غرونوبل مدينة يعيش فيها الجميع بشكل جيد. بوصلتنا واضحة..التعاون، الحماية، والابتكار. في الأسابيع القادمة، سنحول المشروع الذي اختاره سكان غرونوبل إلى خطة عمل للولاية. أعتمد عليكم، ويمكنكم الاعتماد علي.”

امرأة واضحة وشجاعة تضيف في مناسبة أخرى”غرونوبل، مدينة المقاومة، تكتب صفحة جديدة من تاريخها. انتصار جماعي، بُني عبر آلاف اللقاءات.. هنا، نقاوم الفساد والعنصرية والاختلال المناخي. نعم، دعونا نواصل ابتكار مدينة أكثر بيئية وتضامنا وانفتاحا على الجميع!”

هذه السيدة التي تقابلونها هذه الأيام في غرونوبل.. لم تأت من فراغ أو من مشاركة نسائية شكلية أو من انتخابات تحوم حولها الشبهات.. ليست مسؤولة عادية، بل عمدة تعتبر “المقاومة” منهج عمل، و”التعاون” أولوية، و”الابتكار” ضرورة وجودية في أي تجربة جماعية..

لكن، قبل أن نبدأ، اسمحوا لي بملاحظة شخصية صريحة، أنا لا أنكر متابعتي لزيارتكم، بل أرصدها باهتمام كبير -هذه اللازمة ضرورية للإفصاح عنها لأن جل أعضاء جماعة تيزنيت مصابون بالبارانويا ورهاب النقاش العمومي- لكن بصراحة، بعض صوركم التي يتم تقاسمها على مواقع التواصل الاجتماعي، بتلك الوقفات والابتسامات العريضة أمام القاعات الرسمية والحدائق والساحات..للأسف، بعض صوركم تكرس نفس الصورة النمطية التي توحي بـ “الكارط بوسطالية” و”الإكزوتيك الاستشراقي”، حيث تتحول مشاهد الزيارة إلى لحظات للتهريج ، وتتحول زيارة العمل إلى “رحلة سياحية” الهدف الأساسي منها “التقاط الصورة” لا فهم التجربة واستيعابها. حتى بعض المقالات التي كتبها بعض أعضاء الوفد تبدو استعراضية وساذجة وهي تتحدث عن النبوغ التيزنيتي أو عن جسور بين غرونوبل وتزنيت بلغة رومانسية، دون بذل أي مجهود لفهم كنه الخطاب السياسي وفلسفة التجربة الجماعية لغرونوبل ولمن يقود هذه المدينة اليوم سياسيا.
أؤكد لكم، هذه الزيارة مهمة، واتفاق التعاون واعد، ولكن من المؤسف أن جل أعضاء الوفد، بمستوى فهمهم وتمثلهم الحاليين وكفاياتهم السياسية، لم يرقوا بعد إلى مستوى إدراك التجربة العميقة لمدينة غرونوبل. بلتقطون الصور، لكنهم لا يرون ما تخفيه تلك الصور من خطاب سياسي وحساسية فكرية ومعارك يومية مرهقة وحلول مبتكرة.

دعونا نفهم ونستوعب..

أعضاء الجماعة – أرجح أنهم “ما فراسكوم” – أن مدينة بحجم غرونوبل تدير مطبخا مركزيا ينتج أكثر من 10,000 وجبة يوميا، ليس للمدارس فقط بل لكبار السن في المنازل ودور الرعاية أيضا. المفاجأة ليست في الكم، بل في الجودة والمعايير ف 55% من المنتوجات عضوية، ونصف الوجبات نباتية. الهدف المستقبلي للمطبخ الجديد هو “التخلص النهائي من البلاستيك” وزيادة الأطباق المنزلية الصنع.. يتم تقديم وجبات نباتية في المدارس كخيار يومي، وليس كاستثناء. ماذا يعني هذا لكم؟ يعني أن غرونوبل تعتبر الغذاء قضية سيادية وليست خدمة ثانوية. وهنا لا نتحدث عن أوركمين في أيام تيفلوين … إنها تخوض حربا هادئة ضد “الجوع” و تنتصر لثقافة الاطعام الشعبي، تماما مثل ما توجد لديهم نائبة العمدة المكلفة بالتربية الشعبية.

في تيزنيت، قد تعتقدون أن المسبح مجرد منشأة رياضية وترفيهية يمكن إغلاقها لسنوات دون أن يشعر أعضاء الجماعة بالخجل. في غرونوبل المسبح خدمة عمومية ضرورية…والسباحة خدمة عمومية أيضا، و”الانتعاش” حق للجميع، هو خط دفاع أول ضد التغيرات المناخية. في غرونوبل، تم تمديد عمل مسبح “جان برون” ليشمل 3 مواسم من أصل 4 (الربيع، الصيف، الخريف)، والطموح هو العمل طوال السنة. المسبح مزود بـأغطية حرارية للحفاظ على الحرارة، ويعمل بنسبة 80% على الطاقات المتجددة عبر الربط بالتدفئة الحضرية. 80,000 شخص استخدموا المسبح الصيف الماضي، لأن الكثير من الأطفال والعائلات لا يذهبون في إجازة. هذا درس لكم من غرونوبل، التفكير في “المسبح الجماعي” كمرفق صحي واجتماعي ورياضي وبيئي وخدمة عمومية ضرورية.
في أسبوع واحد فقط، شهدت غرونوبل جرائم قتل بالأسلحة النارية..هل استسلمت البلدية أو التزمت الصمت؟ لا، بل طورت مفهوما فريدا، صرحت به العمدة لورانس روفان بكل وضوح “تحسين الأمن يعني السير على قدمين”. القدم الأولى الردع الفوري بتعزيز حضور الشرطة البلدية وقوات الاحتياط في الأحياء الساخنة، والوعد بزيادة 50 شرطيًا بلديا إضافيا، وإنشاء فرقة ليلية، وطلب موعد مع وزارة العدل وزيارة الإليزيه للحديث عن الأمن مع رئيس الجمهورية..لن نقارن تيزنيت بغرونوبل على مستوى الجريمة ونسبها، ولكن سؤال الأمن يمكن ان يكون شأنا جماعيا، فقط حين تكون للفاعل الترابي بعض الجرأة.
لن ينبهكم أحد إلى أن غرونوبل حولت نفسها إلى إسفنجة خضراء، هدفها الاستراتيجي بحلول هذا الصيف ألا تبعد أي حديقة عن أي مواطن أكثر من 5 دقائق سيرا على الأقدام. مستوقفات سيارات تحولت إلى حدائق، وأنتم تعرفون جيدا تلك المدينة التي تحولت فيها حديقة إلى موقف سيارات في قلب المدينة العتيقة.. في غرونوبل تم إنشاء “شارع مظلل وملون” في وسط المدينة باستخدام الأشجار الكثيفة والزراعات الملونة.. ونحن اقتلعنا أشجارا تجاوزت البعد الإيكولوجي لتصبح جزءا من الذاكرة الجماعية للمدينة.. في غرونوبل تم تركيب نوافير ومرذذات (بخاخات ماء) وأحواض مائية في كل الأحياء، وتم تحويل المتاحف إلى ملاجئ باردة ومكيفة الهواء ومجانية للعموم. كما تم تطوير سقاية الأشجار ومركز البستنة لزراعة آلاف النباتات والأشجار التي تتحمل الحرارة. ما يمكن تعلمه هنا، التكيف مع الحرارة لا يعني فقط زراعة الأشجار، بل إعادة تصميم الفضاء العام ليكون مأهولا صيفا وليس مهجورا..فغرونوبل تدرك أن المواطن إذا وجد الظل والماء البارد سيبقى في الشارع وينشط الدورة الاقتصادية للمدينة، وإلا سيبقى محبوسا في بيته المكيف، مما يزيد العزلة الاجتماعية ويقتل “رواج” المدينة.

غرونوبل هي المدينة التي تخصص مؤتمرات حوارية حول مواضيع حساسة مثل “الإسلاموفوبيا في فرنسا” بعد ارتفاع الأعمال المعادية للمسلمين بنسبة 88% عام 2025. تستضيف علماء اجتماع لمناقشة العنف الذي يعاني منه المسلمون. كما تنظم بانتظام فعاليات لمكافحة معاداة السامية..

لكن الأهم من الخطاب هو الترجمة إلى أفعال، حين يتم إنشاء صندوق تضامن بين البلديات لتمويل إيواء المشردين، وتمويل 340 مكان إيواء طارئ رغم أن الاختصاص الأصلي يعود للدولة، واستغلال المباني المهجورة عبر فرق بلدية لتحويلها إلى سكن اجتماعي، ومطالبة الدولة بـضمان إيواء لكل أسرة معنية بالإخلاء. درس آخر من غرونوبل “الحق في السكن” ليس مجرد شعار، بل أولويات تستحق الصدام مع الدولة المركزية. إنها مدينة تقول “إذا لم تقم الدولة بواجبها، سنقوم به نحن، ثم نطالبها برد التكاليف”.

إذن، أيها السادة أعضاء جماعة تيزنيت، الأمر لا يتعلق بغرونوبل كمدينة أوروبية تلتقطون فيها الصور ، ولا بـالتوأمة كبطاقة بريدية للاستهلاك السياسي.. غرونوبل التي زرتموها هي مختبر سياسي حقيقي، يُختبر فيها يوميا حدود الجرأة المؤسساتية. وكيف تُحوِّل الغذاء إلى قضية سيادة، والسباحة إلى خدمة عمومية، والحديقة العامة إلى سلاح ضد العزلة والتغيرات المناخية.. كيف تصطدم مع الدولة المركزية باسم السكن اللائق، و كيف تكافح الجريمة من زاوية تدبير الشأن المحلي.. وكيف تهتم البلدية بالصحة والتعليم كأوليات في عقيدة الفاعل الترابي..وقبل كل هذا ممارسة السياسة كخدمة عمومية نبيلة وتطوعية، بأفكار ومرجعية فكرية وسياسية وأخلاقية، وانتماء للمدينة كفضاء للعيش المشترك، والمجالس الجماعية كمختبرات لإنتاج الأفكار بالوضوح والشجاعة..

أعضاء جماعة تيزنيت..هل تعرفون حقا غرونوبل؟!
#إيس_نيت_تسنم_غرونوبل؟!

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News