شكل إقرار دستور 2011 لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الحديث للمملكة المغربية، متضمناً تعهداً صريحاً بتثبيت الاختيار الديمقراطي كأحد الثوابت الجامعة للبلاد. غير أن التأمل في الممارسة السياسية الميدانية بعد سنوات من التنزيل يتطلب طرح سؤال حارق حول ماذا تبقى من السياسة في المشهد المغربي؟ فبين الأفق الطموح للوثيقة الدستورية المعززة بالمعايير الدولية للديمقراطية، وبين واقع الممارسة الذي يكشف عن انحسار الحامل السياسي الصريح لصالح التكنوقراطية والإدارة، تنبثق الحاجة لتقييم الحصيلة، ومساءلة أفق الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر 2026.
تضمن الترسانة الدستورية لسنة 2011 مقومات النظام البرلماني المكيف، حيث تكرس فصل السلط، وتمنح رئيس الحكومة صلاحيات التنفيذ والتأطير، وتربط المسؤولية بالمحاسبة. إلا أن الممارسة الواقعية كشفت عن تباين واضح مقارنة بالمعايير الدولية للديمقراطية، ويظهر ذلك في تراجع الأدوار التأطيرية للسياسة، إذ أضحت التعددية الحزبية تحكمها مقاربات تدبيرية وتقنية تغيب عنها النقاشات الأيديولوجية الكبرى وصراع البرامج الحقيقية، وهو ما يخالف الفلسفة الديمقراطية القائمة على التدافع الفكري. كما يتجلى ذلك في عجز الوساطة السياسية بعدما فشلت تشكيلات سياسية عدة في لعب دورها الطبيعي كصلة وصل بين تطلعات الشارع ومراكز القرار، مما أدى إلى انتقال الاحتجاج الاجتماعي خارج الأطر الحزبية التقليدية، إضافة إلى انحسار النخب السياسية وتضاؤل قدرة الأحزاب على ضخ دماء جديدة وتأهيل أطر تحمل رؤى استراتيجية.
وتُشكل تجربة حكومة عزيز أخنوش نموذجا رئيسا لمفهوم تكنوقراطية التفويض الانتخابي، فرغم تحقيقها بعض التقدم في تدبير ملفات ورش الحماية الاجتماعية والبنية التحتية، إلا أن حصيلتها السياسية شابتها أعطاب جوهرية. وتتمثل أبرز هذه الأعطاب في تغليب لغة التقني على السياسي وتعامل الحكومة مع الأزمات والتحديات الاجتماعية بمقاربة محاسباتية وتدبيرية جافة، متجاهلة الحاجة لتواصل سياسي يُقنع الشارع ويخلق مساحة للحوار العام. يضاف إلى ذلك صدمة القدرة الشرائية والتضخم وعجز الآليات المعتمدة عن حماية الطبقة المتوسطة والفئات الهشة، مما أضعف الثقة في قدرة الفاعل المنتخب على حماية الاستقرار الاجتماعي، إلى جانب تفشي أزمة الموثوقية وتراجع التدافع البرلماني بسبب هيمنة التوافقات الأغلبية المريحة، مما أفقد النقاش البرلماني حرارته وتأثيره في صناعة القرار.
تكتسي الديناميات الحزبية الأخيرة بُعدا رمزيا مكثفا يتجاوز مجرد الترشيحات الفردية، إذ يُشكل تداول سيناريو انضمام فوزي لقجع لحزب الأصالة والمعاصرة قبيل انتخابات 2026، والترويج له كرئيس مرتقب للحكومة القادمة، مؤشراً دالاً على تعميق أزمة المعنى السياسي. فبتعبير مستمد من عالم كرة القدم الذي جاء منه الفاعل، فإن الدخول إلى المشهد الحزبي والتنظيمي في الوقت بدل الضائع والأعقاب الأخيرة للولاية الانتخابية يلغي فكرة التدرج النضالي والبناء التراكمي داخل الأحزاب، ويحيل العمل الحزبي إلى مجرد منصة لإفراز قيادات جاهزة ومسقطة.
وهكذا فالتسويق لبروفايل قادم من الإدارة والتدبير الرياضي للترؤس المفترض للحكومة يعكس تسليما بأن الأحزاب العريقة والمؤسسات السياسية باتت عاجزة عن إنجاب قيادات وسياسيين قادرين على إقناع الشارع، مما يعزز الاعتقاد بأن صندوق الاقتراع أصبح أداة للمصادقة على خيارات مُعدة مسبقاً وليس آلية للاختيار المفاضل بين مشاريع مجتمعية. وعندما يلتقي النفوذ الإداري والنجاح الرياضي للتغطية على الفراغ الأيديولوجي والبرنامجي، تصبح العملية الانتخابية منزوعة الدسم السياسي، إذ لا تقتصر السياسة على النجاح في إدارة الملفات التقنية، بل هي رؤية شاملة وتدافع قيم وفلسفة حكم تخضع للمساءلة والمحاسبة الشعبية.
ولا شك أن انتخابات 23 شتنبر 2026 تأتي في ظرفية تحول حاسمة تحيط بها سيناريوهات متعددة، حيث يتصدر خطر العزوف الانتخابي المشهد كاختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين على إقناع المواطن بوجود منافسة حقيقية تؤثر في واقع حياته اليومية. كما يبرز رهان استعادة المبادرة الحزبية والتصدي لتغييب الصراع البرنامجي، كي لا تتحول المعركة الانتخابية إلى مجرد سباق حول استقطاب الأعيان والبروفايلات الجاهزة لحصد الأصوات بدل التنافس حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
كما أن العبور بسلاسة نحو المستقبل وتوطيد النموذج الديمقراطي التنموي يقتضيان استعادة الجوهر الأصيل للعمل السياسي عبر قطبين رئيسيين. يكمن القطب الأول في الأحزاب السياسية من خلال القطع مع منطق استيراد القيادات، والاعتماد على الديمقراطية الداخلية والتأهيل المعرفي لأطر الحزب، والتصدي لمنطق الهبوط الاضطراري في اللحظات الأخيرة، إضافة إلى إعادة بناء البرامج بالانتقال من الوعود الجاهزة إلى صياغة اختيارات سياسية واقتصادية صريحة قابلة للتطبيق والقياس.
أما القطب الثاني فيتعلق بالناخبين والمواطنين عبر المشاركة الواعية والناقدة، والانتقال من موقف السلبية إلى محاكمة المسارات السياسية والتصويت بناءا على البرامج والقدرة على الوفاء بالتعهدات، فضلا عن المساءلة والمحاسبة المستمرة باعتبار يوم الاقتراع محطة أولى لمراقبة أداء المنتخَبين والمطالبة بالفصل الواضح بين تدبير الإدارة والمسؤولية السياسية المباشرة.
إن السياسة هي الفضاء الحي الذي يصنع الشرعية ويمارس من خلاله المواطنون حقهم في التغيير والتعبير، وليست إدارة للوقت الإضافي أو تطبيق لآليات التكنوقراطية، وإن استعادة المعنى السياسي بمناسبة استحقاقات 2026 تظل شرطا أساسيا لحماية الممارسة الديمقراطية وصونها من الإفراغ والتهميش.
عبد الله صمايو
مهتم بتحليل وتقييم السياسات العمومية















Sorry Comments are closed