في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام بجماعة أكلو، وبالضبط بدوار العوينة، تستعد جمعيتان مدنيتان لتنظيم سهرة فنية كبرى بمشاركة فنانين أمازيغيين، في مبادرة تبدو للوهلة الأولى احتفالية وترفيهية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول أولويات العمل الجمعوي، خصوصاً في ظل الظرفية السياسية والانتخابية التي تعرفها البلاد.
فاللافت في هذه الخطوة ليس تنظيم سهرة فنية في حد ذاته، وإنما التوقيت، والجهات المشرفة أو الداعمة، وطبيعة الرسائل التي قد تحملها هذه المبادرة، خاصة مع الحديث عن إشراف الجماعة الترابية والمجلس الإقليمي على هذا النشاط.
وبينما تتجه الجمعيتان إلى توحيد الجهود من أجل إنجاح تظاهرة فنية واستقطاب جمهور واسع، يطرح عدد من أبناء المنطقة سؤالاً مشروعاً: أين كان هذا التنسيق حين كانت الساكنة تبحث عن حلول لمشاكلها اليومية؟
فدوار العوينة، وفق ما يثار محلياً، لا يعيش فقط على إيقاع المناسبات والسهَرَات، بل يواجه تحديات حقيقية مرتبطة أساساً بالنقل والتنقل، حيث يجد عدد من السكان صعوبة في الوصول إلى مدينة تيزنيت لقضاء أغراضهم الإدارية والصحية والتجارية، وهو مشكل يمس بشكل مباشر الحياة اليومية للساكنة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لم تتحول هذه الحاجة الملحة إلى موضوع لقاء مشترك بين الفاعلين الجمعويين والمنتخبين؟ ولماذا لا تتوحد الجهود نفسها للمطالبة بخط نقل منتظم، أو البحث عن حلول عملية ومستدامة لمشكل التنقل؟
لا أحد يجادل في أهمية الثقافة والفن ودورهما في تنشيط الحياة المحلية، كما أن تنظيم السهرات والتظاهرات الفنية يمكن أن يكون عاملاً مهماً في خلق أجواء إيجابية وتشجيع الحركية الاقتصادية.
لكن العمل الجمعوي، في جوهره، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تنظيم مناسبات موسمية، بل يفترض أن يكون قريباً من المواطن، مدافعاً عن قضاياه، وفاعلاً في اقتراح الحلول للمشاكل التي تواجهه.
ومن هنا، فإن توحيد جمعيتين لجهودهما من أجل تنظيم سهرة فنية يطرح سؤالاً مشروعاً حول معايير ترتيب الأولويات: هل الأولى هي السهرة الفنية، أم معالجة مشكل النقل؟ وهل المواطن في حاجة اليوم إلى منصة فنية وأضواء ومكبرات صوت، أم إلى وسيلة نقل تساعده على الوصول إلى المدينة وقضاء حاجياته؟
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تصبح كل المبادرات العمومية أو الجمعوية محط متابعة وقراءة من طرف المواطنين، خصوصاً عندما تتقاطع فيها الأنشطة الفنية مع حضور المؤسسات المنتخبة أو شخصيات سياسية.
وإذا كانت السهرة مجرد نشاط فني وجمعوي مستقل، فمن حق منظميها أن يوضحوا ذلك للرأي العام المحلي، كما أن من حق الساكنة أن تعرف طبيعة التمويل، والجهات الداعمة، وأهداف النشاط، وما إذا كان الأمر يتعلق بعمل ثقافي صرف أم أن له أبعاداً أخرى.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مناسبة لتحويل الأنشطة الثقافية والاجتماعية إلى أدوات للاستقطاب، كما أن العمل الجمعوي يفقد جزءاً من مصداقيته عندما يُنظر إليه باعتباره واجهة لخدمة أجندات انتخابية.
المطلوب اليوم ليس إلغاء الفرح أو محاربة الفن، وإنما إعادة ترتيب الأولويات. العوينة تحتاج إلى مبادرات ثقافية ورياضية وترفيهية، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى معالجة الملفات التي تمس حياة سكانها بشكل مباشر: النقل، والخدمات الأساسية، وتحسين ظروف العيش، وتقوية التواصل بين الساكنة والمنتخبين والسلطات والمؤسسات المعنية.
ومن حق أبناء الدوار أن يتساءلوا: لماذا لم تجتمع الجمعيتان بالزخم نفسه حول ملف النقل؟ ولماذا لا يتم تنظيم لقاء مفتوح مع الساكنة والجهات المنتخبة للخروج بحلول عملية؟
هل نحن أمام جمعيات تتحرك عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة، أم أمام جمعيات تتقن صناعة البهرجة أكثر مما تتقن صناعة الحلول؟














Sorry Comments are closed