لم تحتج مدينة تيزنيت هذه المرة إلى تقرير رسمي أو تحقيق صحفي مطول لفضح اختلالات تدبيرها المحلي؛ تدوينة قصيرة لسائح أجنبي كانت كافية. على صفحة مخصصة لزوار المخيم الجماعي، كتب السائح:
“نحن في المخيم، والمياه تصل أمام أبواب العربات ولا نستطيع الخروج حتى إلى المراحيض، غمرت المياه أقدامنا. يوم سعيد رغم كل شيء!”
جملة عفوية، لكنها كانت أبلغ من عشرات البلاغات، لأنها نقلت الواقع كما هو، بلا تزيين ولا مؤثرات. هذه الواقعة ليست حدثا معزولا، بل مرآة تعكس مفارقة صادمة تعيشها تيزنيت اليوم: مدينة تسوّق رقميا كوجهة سياحية وثقافية متميزة، بينما يعاني جزء من فضاءاتها الحيوية من الإهمال وسوء التدبير، في تناقض صارخ بين الصورة المروجة والواقع الميداني.
أول تجليات هذا الخلل يظهر بوضوح في السوق الأسبوعي ( الخميس)، الذي يتحول مع أولى التساقطات المطرية إلى فضاء طارد للحياة الاقتصادية. أوحال، برك مائية، غياب شبه تام لقنوات تصريف المياه، وانعدام ممرات تضمن الحد الأدنى من السلامة للتجار والمرتفقين.مشهد يتكرر كل سنة، وكأنه قدر محتوم، دون أي معالجة جذرية تليق بمرفق اقتصادي واجتماعي يشكل شريان عيش لمئات الأسر.
المفارقة المؤلمة أن المجلس الجماعي لا يغيب عن السوق إلا عندما يتعلق الأمر بالتأهيل والتنظيم، لكنه حاضر بقوة عندما يحين وقت تحصيل الرسوم والإتاوات. تفرض الواجبات بانتظام، بينما تغيب الحقوق، في علاقة مختلة تختزل التدبير المحلي في منطق الجباية، وتفرغه من بعده الخدمي والإنساني الذي ينص عليه القانون التنظيمي للجماعات.
كيف يمكن لتاجر أن يشتغل وسط الأوحال؟
وأي منطق سياسي وأخلاقي هذا الذي يطالب بالأداء دون توفير شروط العمل اللائق؟
الصورة نفسها تتكرر في المخيم الجماعي لتيزنيت، الذي يقدم في الخطاب الرسمي والرقمي كرافعة للسياحة، خصوصا سياحة الكرفانات. غير أن الواقع، كما وثقه السائح الأجنبي، يكشف ضعف البنية التحتية، غياب تدبير استباقي، وسهولة تحول الفضاء إلى بركة مائية مع أول اختبار مناخي بسيط. هنا تتجسد أخطر نتائج الترويج غير المؤسس.
حين يصطدم الزائر بصورة رقمية مثالية بواقع لا يرقى حتى إلى الحد الأدنى من التوقعات، تتحول التجربة السياحية من فرصة للتسويق الإيجابي إلى دعاية سلبية عابرة للحدود.وإذا كانت المدينة تعجز عن توفير شروط معقولة لسياحة الكرفانات، وهي سياحة مرنة لا تطلب الكثير، فالسؤال المشروع هو:
كيف سيكون حال السائح الكلاسيكي أو الزائر الداخلي، الذي يعتمد كليا على جودة الطرق، الإنارة، النظافة، والتنظيم؟
ما يحدث في السوق الأسبوعي و المخيم الجماعي ليس تفاصيل ثانوية، بل مؤشرات عميقة على خلل في ترتيب الأولويات. فالمدن لا تبنى بالاحتفاليات وحدها، ولا تسوق بالصور والمؤثرين والرقصات العفوية.
لا موائد أوركيمن، ولا تگلا، ولا خبز إينكان، ولا الحملات الموسمية، قادرة على تعويض غياب مرفق عمومي محترم يضمن الكرامة للمواطن والزائر.
النقد الذي يطفو إلى السطح، مدعوما بالصورة والمعاينة، ليس تشهيرا ولا سوداوية، بل شهادة ميدانية تستحق الإصغاء. تحويل هذا النقد إلى تهمة جاهزة، بدل اعتباره فرصة للإصلاح، لا يحمي صورة المدينة، بل يراكم الإحباط ويفرغ كل خطاب ترويجي من مصداقيته.
















Sorry Comments are closed