بينما تفتح اليوم في تافراوت وتدشن المشاريع التنموية تحت أنظار رئيس الحكومة، يبرز في المشهد لباقي تيزنيت مشهد يثير الشفقة والريبة في آن واحد، وهو في حالة “Vu” مع وقف التنفيذ. ولعل صورة رئيس جماعتنا أكلو تلخص حال باقي الرؤساء في إقليم تيزنيت، وهو المنهك بصدى السنين العجاف، يشرئب بعنقه في محاولة يائسة لاقتناص صورة أو نظرة من ولي النعم، يستجدي من خلالها شرعية لمشاريع يمني النفس انها لو كانت في جوار رباط سيدي وكاك، لكن الحقيقة المرة هي صورته وخياله بلا ظلال.
إن هذا العبث التدبيري ليس وليد الصدفة، بل هو تجسيد “دورجيـــــن” لثقافة سياسية تمتح من التمييز والاقصاء والاستغلال طبعا. ثقافة لا مكان في قاموس صاحبنا الغير حكيم للغة النقد أو المعارضة، ببساطة لأنه يعتقد – كما سبقه لها رشيد الطالبي العالمي – أننا ننتمي لزمن غابر ولا علاقة لنا بثقافة “الإنجاز” المزعومة. سبحان الله، لان الثقافة التي يتغنون بها، طبعا شبيهة بالوزير بنسعيد و هو يحمل العابه الالكترونية و يبدو كذلك أنها تعشق قرمشة اللوز وحده، بينما تنفر من عبق النعناع وحبات “البوزروك” التي تميز هوية باقي الإقليم. إن تيزنيت التي تتفرج اليوم، تدرك جيداً أن هؤلاء الاحرار لا يبصرون مصالح المواطنين إلا من خلال عدسة “تافراوت” وحدها، ولو كان الثمن هو إحراقنا و باقي الإقليم في تنور تيفويـــــن.
لنعد الآن إلى صرفنا الصحي وإلى الرفوف المنسية التي يعجز رئيس جماعتنا أن يلتفت نحوها، وعلى منواله باقي رؤساء الإقليم الذين أغرموا عشقا بحالة الانتظار وvu. والحقيقة أن هذا الملف من جنس العمل نتاع المجاري، فهو لا يقتصر على قاذورات القنوات، بل يمتد إلى تلك الأخلاق السياسية السيئة التي هندست الفشل منذ البداية.
لهذا ما يجب أن نعلمه ونتحقق منه هو تلك النية المبيتة التي تعود إلى الولاية السابقة، حيث كتبت فصول “الفخ التاريخي” الذي نصبه الأحرار لحلفائهم انذاك في حزب العدالة والتنمية. لقد دفعوهم دفعاً لتبني دراسة هلامية بمبالغ فلكية ومساحات خيالية، كانت في جوهرها مجرد قفزة في الفراغ، قوبلت بالرفض التقني والمادي لانها تعمدت تجاهل تحفظات المكتب الوطني للماء.
هذا الخطأ الساذج لم يكن عفويا، بل استغله المهندسون الحقيقيون لتعطيل الملف عمدا وتجميده فوق الرفوف، ريثما يحين الوقت السياسي المناسب لتقديمه اليوم كوليمة انتخابية دسمة، تم إعداد خيوطها بعيدا بعد تافراوت عن شواطئ اكلو وعن مصلحة المواطن وفي غرف مغلقة لا تخدم إلا أجندة الكرسي.
اليوم، وفي غمرة نشوة الإنجاز المزعوم، وبعد أن قضينا زمنا طويلا في الصمت حتى كادت حناجرنا تصدأ، هلموا جميعا في باقي تيزنيت لنلعب قليلا، لكنها ليست لعبة اطفال، بل هي رحلة في دهاليز صرفنا الصحي الذي يفوح برائحة السياسة. لنطرح معا تلك الأسئلة المحرجة التي تهرب منها الجماعة كما يهرب المذنب من مسرح الجريمة:
– لماذا تم تقليص المساحات التي شملها المشروع بنسبة تجاوزت عشرين بالمئة في لمح البصر، بالمقارنة مع ما تم اعداده سابقا؟
– من هو المستفيد الحقيقي، الذي يضحك في الخفاء، من تغيير المسارات وتعديل الخرائط؟
– وهل للأمر علاقة بصفقات عقارية طبخت “تحت الطاولة” لتخدم بقعا معينة دون غيرها، في هندسة مريبة تجعل من المصلحة العامة مجرد واجهة لخدمة الأباطرة الجدد؟
إن مبلغ الـ 12 مليار سنتيم الذي أثار لعاب مؤسسة “سوس ماسة توزيع” يضعنا أمام علامة استفهام كبرى حول كيفية الالتفاف على التراكمات السابقة، وفرض “شروط إذعان” جديدة تقايض حقا شرعيا بقبول حلول تقنية غامضة تخدم الأجندات الضيقة.
لكن الأخطر في هذه الملحمة السوداء هو الاشتغال بمنطق “الليل” الذي يغيب فيه التشاور العمومي ويقصى فيه الملاكون. خذوا “ابحارن نـ تامدغوست” مثالا، فعلى الرغم من أنهم نظموا قبل أيام طقس “سلوكت” تقبل الله منهم، وقدموا “المعروف” ترحما على الوالدين وإكراما للذين أفنوا عمرهم في خدمة الارض، في مشهد روحاني خاشع، إلا أن الحقيقة المرة التي سجلها التاريخ القريب تؤكد أنهم كانوا ضحايا عملية “سطو تدبيري” بامتياز. لقد مررت القنوات في مزارعهم وبين أغراسهم في خرق سافر لحقوق الملكية، دون علمهم. لينضاف هذا لكل الاعتداءات الممنهجة على الحزام الأخضر والذاكرة الفلاحية للمدينة. إن هذا لا يحدث عبثا، بل يتم في ظل “هندسة” تثير الضحك والبكاء في آن واحد، حيث يجد المواطن نفسه امام مشهد غريب، تصبح فيه الخصومة والحكم في يد جهة واحدة، تبارك المشروع بيمينها وتجنيه بشمالها.
إنها قمة التراجيديا حين تتحول مزارع الأجداد إلى مجرد ممرات لمشاريع تطبخ في عيادات السياسة، لخدمة جيوب شركات وجدت في “البيت التدبيري” حليفا يشرعن لها المرور فوق رقاب الملاكين، في خلط مريب بين تدبير الشأن العام وبين مصلحة المؤسسات المستفيدة من كعكة المليارات.
إن هذا العبث لا يتوقف عند حدود مركز المدينة وحده، بل يمتد ليشمل إقليما كاملا سقط من حسابات هؤلاء الذين انصب جل اهتمامهم على تافراوت وجعلوها مركز الكون التنموي، بينما تركوا البقية لمصيرهم المحتوم. وفي قلبي النابض وجرحي النازف بلدتي اكلو، يتجلى هذا الزمن الضائع في أبهى صور الإقصاء، يتقنون بغير حكمة لعبة النسيان، لا تلك التي كتبها محمد برادة بمداد الأدب، بل تلك التي يمارسونها بمداد التضليل حينما يتناسون عمدا أن حزبهم كان ولا يزال شريكا أساسيا أقول اساسيا في تلك البيروقراطية المقيتة التي فرملت طموحات الساكنة.
فكيف يستقيم ادعاء البطولة في توزيع فتات المشاريع، بينما تظل دراسات التطهير السائل في “أكلو” الحضارية حبيسة الرفوف المنسية؟ وهو نفس المصير القاسي الذي يواجهه الجبل في “أنزي”، كما قرأت بأسى لدى زميل رصد واقع التهميش على حائطه، حيث يختنق الإنسان هناك تحت وطأة انتظار لا ينتهي.
إنها الأجندات التي لا تبصر غير تضاريس “تفراوت” ولا تستنشق إلا عطر لوزها، بينما يترك باقي الإقليم لمواجهة قدره مع الوعود الجوفاء. إنها نفس السياسة الإقصائية التي تغض الطرف عن معاناة سكان “أزرو زكاغن” وعن أنين القرى المنسية، لتفتح في المقابل الأبواب على مصراعيها أمام “أباطرة العقار” الذين يعبثون بالهوية البصرية والمكانية للمنطقة لها وزن اعتباري تاريخي و حضاري.
إن هذا التواطؤ المكشوف يؤكد أن “التنمية” في عرف هؤلاء ليست حقاً للمواطن، بل هي مكافأة انتخابية تمنح لجهة دون غيرها، في مشهد يكرس التمييز المجالي ويقتل طموح الساكنة في العدالة والكرامة. أنهم يشاركون في تكريس “انتقائية تنموية” مفضوحة، تجعل من حقوق سكان أكلو وتيزنيت وباقي الاقليم مجرد أوراق ثانوية في كتاب “الإنجاز” الذي لا يُقرأ إلا بلهجة أهل المركز الجديد.
بقلم: محمد ادمجوض
















Sorry Comments are closed