إن مقارنة غرونوبل بتيزنيت يجب أن تُوثق باعتبارها فرصة للتعلم المتبادل، لا مباراة لتحديد من هو الأفضل. فغرونوبل مدينة أوروبية كبرى تضم أكثر من 150 ألف نسمة، وتستفيد من إمكانيات مالية ومؤسساتية وتشريعية مختلفة تماماً عن تلك المتاحة لمدينة تيزنيت. ومع ذلك، فإن قيمة الشراكة لا تكمن في تشابه المدينتين، بل في اختلافهما وقدرتهما على تبادل الخبرات.
صحيح أن غرونوبل طورت نماذج متقدمة في مجالات البيئة والتنقل الحضري والتغذية المدرسية والحد من آثار التغيرات المناخية والسياسات الاجتماعية، وهي تجارب تستحق الدراسة والاستلهام. لكن من الإنصاف أيضاً الإشارة إلى أن تيزنيت تمتلك بدورها عناصر قوة تجعلها شريكاً حقيقياً وليس مجرد متلقٍ للتجارب.
فتيزنيت راكمت تجربة مهمة في مجال تثمين التراث الثقافي الأمازيغي والمحافظة على المدينة العتيقة والصناعة التقليدية الفضية والتنشيط الثقافي والمهرجانات ذات البعد الهوياتي. كما استطاعت أن تفرض حضورها كمدينة متوسطة ذات إشعاع ثقافي وسياحي داخل المغرب وخارجه، وهو ما يفسر اهتمام غرونوبل نفسها بإقامة شراكة معها.
أما بخصوص الوفد الجماعي، فمن الطبيعي أن تُلتقط الصور وأن تُوثق الزيارة، لأن التواصل جزء من أي مهمة رسمية. لكن الأهم فعلاً هو ما سيعود به الوفد من أفكار ومشاريع وممارسات قابلة للتنزيل على أرض الواقع. نجاح الزيارة لن يقاس بعدد الصور المنشورة، بل بعدد المبادرات التي يمكن أن ترى النور في تيزنيت مستقبلاً نتيجة هذا التعاون.
السؤال الحقيقي ليس: “هل تعرف ء جماعة تيزنيت غرونوبل؟” بل: “كيف يمكن لتيزنيت أن تستفيد من تجربة غرونوبل مع الحفاظ على خصوصيتها وهويتها وإمكانياتها؟”
فالغاية من الشراكات الدولية ليست نسخ التجارب كما هي، وإنما فهم فلسفتها وتكييفها مع الواقع المحلي. وما يصلح في غرونوبل قد يحتاج إلى تعديلات كثيرة قبل أن يصبح قابلاً للتطبيق في تيزنيت.
لذلك يمكن القول إن زيارة غرونوبل ليست نهاية الطريق، بل بدايته. إنها فرصة لاكتشاف كيف تُدار مدينة أوروبية تواجه تحديات المناخ والسكن والتنقل والتماسك الاجتماعي، وفي المقابل فرصة أيضاً لتعريف الشريك الفرنسي بغنى تيزنيت الثقافي والحضاري وتجربتها في مجال التراث والتنمية المحلية.
الشراكة الناجحة لا تقوم على عقدة النقص أمام الآخر، ولا على الشعور بالاكتفاء الذاتي، بل على التواضع في التعلم والثقة في الذات في الآن نفسه. وهذا هو المعنى الحقيقي للتعاون بين تيزنيت وغرونوبل.














Sorry Comments are closed