لمع نجمه في تونس، حيث شاهده المغاربة لأول مرة متجردا من “الكوستيم” وربطة العنق، وهو يؤمن فسحة الملك محمد السادس التلقائية بشارع بورقيبة. وقد سمع المغاربة صوته لأول مرة وهو يقول لمن أفرطوا في التقاط صور للملك ” خليوها حلوة”، في أشارة إلى الصور الملتقطة للعاهل المغربي بعفوية وهو يتجول راجلا بدون بروتوكول.

قد يكون هذا الرجل سارقا بامتياز للأضواء من جل رجالات البلاط، أو اللافت للانتباه ضمن الكوكبة المكلفة بحراسة الملك محمد السادس، فارع الطول، قوية البنية، أشقر الشعر، أبيض البشرة، ذو عينين قمحيتين، فضلا عن كونه يتميز بجاذبية خاصة بلباسه الرسمي وربطة العنق التي يبدو من خلالها كعارض أزياء محترف.

اسمه عزيز الجعايدي، القلب النابض للشلة المحيطة بالملك، وإن كان المقربون منه يفضلون مناداته بـ “الحاج الجعايدي”، اللقب الذي يجلجل الدوائر الأمنية بالمملكة، كلما حظيت مدنها بشرف استقبال عاهل البلاد.

يصفه البعض بظل الملك الذي لا يفارقه أينما حل وارتحل، والصقر الأمني الذي ظل إلى جانب خالد فكري يشكلان ثنائية صارمة في كل ما يتعلق بتحركات الملك قبل أن يختفي فكري عن الأنظار، فبعينين جاحظتين، يقظتين، يراقب الجعايدي عاهل المملكة بحرص شديد، يتتبع خطواته، سكناته ويقتفي آثره دون أن يغفل تركيزه على المحيط الدائر حوله، هو هكذا دائما، متأهبا، يقظا، حذرا ومتوجسا من أي خطر قد يحدق بالملك محمد السادس، إذ أن خدمة الملوك لا تقبل هامشا للخطأ وأن أية هفوة، مهما بلغت درجة بساطتها، قد تؤدي بصاحبها إلى معاهد إعادة التكوين، كنوع من العقاب لمن يتهاونون في خدمة الملك.

اليوم، هو المكلف الحصري بمهمة الإشراف على الأمن الخاص للملك محمد السادس خلفا لرئيس أمن القصور الملكية عبد الرحيم ميعاد، الذي أقيل من منصبه بعد سلسلة من هفوات أمنية شهدتها القصور الملكية بكل من مراكش الدار البيضاء والصخيرات و خريبكة.

لم يكن مفاجئا تعيين الجعايدي في هذا المنصب الحساس جدا، فالرجل يعتبر مصدر ثقة للملك محمد السادس منذ كان وليا للعهد، لذلك، فرغم هفواته الكثيرة، التي كان يجد نفسه من خلالها مبعدا من الشلة الملكية، أو يلوك حسرته بمعهد الشرطة بالقنيطرة كإجراء تأديبي، إلا أنه ما يلبث يغيب حتى يعود من جديد لمكانه الطبيعي بجوار الملك، ولعل هذه الثقة هي التي أهلته للإشراف على مديرية أمن القصور الملكية، التي كان أول من حركها في عهد الملك محمد السادس هو الحاج المديوري، الظل الذي لم يفارق الراحل الحسن الثاني قط إلى أن وافته المنية في يوليوز 1999.

بعد محمد المديوري الذي وجد نفسه ضمن المبعدين عن محيط القصر مباشرة بعد تسلم الملك محمد السادس مفاتيح حكم المملكة، تولى المختار البقالي مهمة الإشراف على مديرية أمن القصور الملكية، ليخلفه فيما بعد عبد العزيز إيزو المعتقل حاليا بسجن عكاشة على خلفية ملف الشريف بين الويدان، ثم إدريس مهراد وإبراهيم أوسير الذي تولى المهمة لأسبوع واحد فقط، قبل أن يعود إليه مهراد من جديد. ويرى بعض المتتبعين، أن هناك خيطا رفيعا يربط بين أول رئيس للأمن الخاص للملك المراكشي الحاج المديوري والفاسي عزيز الجعايدي، فالأول يعد المعلم والأستاذ لأصول مهنة خدمة الملوك والأمراء، والعين التي لا تنام من أجل حماية الملك والمرجع الأساسي لمن أنيطت بهم حراسة أمن القصور، أما الثاني، فهو مجرد تلميذ في عين أستاذه الذي جاء إلى القصر الملكي في نهاية الستينيات من القرن الماضي، بعد أن تمكن بدهاء ودربة ملفتين أن يسترعي انتباه الحسن الثاني في لحظة درامية (انقلاب الصخيرات).

تعود قصة الحاج المديوري وعزيز الجعايدي، إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فالشاب الأشقر القادم من تخوم مدينة فاس، وجد نفسه خلال جل محطات حياته مجبرا على مغادرة العاصمة العلمية للمملكة، فكانت وجهته مراكش الحمراء، هناك – يقول المهتمون بسيرته المهنية – أقام في منزل خالته، ولأنه يتوفر على مهارات خاصة في بعض الرياضات المدرسية، فقد ولج قلعة المديوري من خلال فريق الكوكب المراكشي لكرة السلة، طوله الفارع ورشاقته في التحرك وتسديد الأهداف، لفتتا أنظار الحاج المديوري إليه، أعجب به كثيرا، ولم يتردد منذ ذلك الحين في إلحاقه بالأمن الوطني كمفتش شرطة، بعدها مباشرة اقتنع ابن مراكش، أن هذا الفاسي الأشقر لا مكان له سوى الخدمة ضمن الطاقم المكلف بالأمن الملكي.

قام عزيز الجعايدي – تحت أنظار الحاج المديوري – بعدة دورات تكوينية بالمغرب وخارجه، كان يلفت الانتباه في أدنى حركاته، ولعل مهاراته التي كان يفجرها في التداريب، هي التي مكنته من الالتحاق بالأمن الخاص كحارس لإحدى الأميرات، فحارس لولي العهد “سميت سيدي”، وحسب المهتمين بمساره، تمكن الجعايدي من نسج روابط خاصة مع سيدي محمد، وأصبح منذ ذلك الحين مصدر لثقته، لذلك فبمجرد ما أعلن القصر الملكي عن وفاة الملك الحسن الثاني، حتى توجهت الأنظار إلى ابن فاس، وزميله في “السربيس” خالد فكري، الابن البار لوالده صالح فكري، الكومندار الذي عمل قائدا لحراس الأمن ومسؤولا عن فريق الشرطة “السيمي”، آنذاك قال المهتمون، إن نهاية الحاج المديوري باتت وشبكة، وأن زمن الجعايدي وزملائه ممن اشتغلوا إلى جانب ولي العهد، سيكون لهم شأن عظيم في خدمة الملك محمد السادس.

تليمذ الحاج المديوري، الصارم زيادة على اللزوم، احتل غير ما مرة الواجهات الأمامية للصحف الوطنية والأجنبية، من خلال تدخلاته الحاسمة في حماية أمن الملك، وأيضا من خلال هفواته الكثيرة، إذ يظل إلى جانب الرباطي خالد فكري، أكثر حراس أمن الملك محمد السادس اقترافا للأخطاء، وفي نفس الوقت الأكثر حظوة بعطف الملك وعفوه.

بعد توليه الإشراف على الأمن الخاص للملك، أصبح الجعايدي المهندس الرئيسي لتأمين الخرجات والزيارات الملكية، والتدشينات الرسمية ومصدراً للتعليمات الخاصة بالإنتاج الحد الأقصى من شروط السلامة والأمن لعاهل البلاد، فهو ينتقل من حراسة الملك إلى المدينة موضوع الزيارة الملكية، للمعاينة أياما قبل زيارتها من طرف محمد السادس، بالإضافة إلى مراقبة الإقامة الملكية المتواجدة بالمدينة، واستنفار كل حواسه في مراقبة الأماكن المخصصة للتدشينات والمناطق التي يتهيأ الملك لزيارتها، إذ أصبح الجعايدي قطب الرحى في كل تنقلات الملك، والمنسق الرئيسي مع المسؤولين الأمنيين بالمناطق التي يعتزم الملك زيارتها.