لم تكن الأمطار الأخيرة التي شهدتها جهة سوس ماسة مجرد “بشرى خير” للفلاحين، بل كانت “كاشفاً” جديداً لعيوب بنية تحتية لم تعد تقوى على الصمود. فبمجرد أن ارتفع منسوب المياه في منطقة “سيدي عبو”، انقطع النبض عن الطريق الوطنية رقم 1، الشريان الوحيد الذي يربط شمال المغرب بصحرائه وعمقه الإفريقي، ليعيد إلى الأذهان صرخات العزلة التي دوت في فيضانات 2014.
ساعات من التوقف كانت كافية لتكشف حجم الخسائر؛ طوابير من الشاحنات المحملة بالسلع المتوجهة نحو موريتانيا ودول غرب إفريقيا ظلت عالقة، وحافلات لنقل المسافرين وجدت نفسها في حصار فرضه “الواد”، وسط تذمر واسع من تكرار هذا السيناريو الكارثي في كل موسم شتاء.
هذا الانقطاع لم يربك حركة السير فحسب، بل عرّى “هشاشة” محور طرقي يُفترض أنه واجهة المغرب القارية.بحيث لم يعد الحديث عن إحداث الطريق السريع الرابط بين تيزنيت وأكادير ترفاً فكرياً أو وعوداً انتخابية، بل أضحى مطلباً استراتيجياً لا يقبل التأجيل. إن التحول الذي يشهده المغرب كقوة اقتصادية إقليمية يتناقض كلياً مع بقاء مدخل جنوبه رهيناً بتقلبات الطقس.
الاستثمار في هذا الطريق هو استثمار في السيادة الاقتصادية وفي ضمان تدفق السلع دون انقطاع، بعيداً عن الحلول الترقيعية التي أثبتت فشلها. وفي الوقت الذي ينسد فيه أفق الطريق الوطنية رقم 1، تبرز الحاجة الماسة لشبكة طرق بديلة قوية. وهنا تتوجه أصابع الاتهام إلى التأخر غير المبرر في تأهيل وتقوية طريق سد يوسف بن تاشفين عبر إرسموكن المعدر . هذا المسار، الذي كان من المفترض أن يكون “صمام الأمان” البديل، لا يزال يئن تحت وطأة الإهمال منذ سنوات.
إن عدم استغلال هذا المحور وتجهيزه ليكون بديلاً حقيقياً في وقت الأزمات يعكس غياب رؤية استباقية لدى المدبرين المحليين والمركزيين، ويترك المواطن في مواجهة مباشرة مع خطر العزلة.
إن المشاهد القادمة من “سيدي عبو” و”إرسموكن” اليوم هي نسخة طبق الأصل من مشاهد عقد مضى. التاريخ يعيد نفسه ليقول إن “الاستدامة” ليست مجرد شعار، بل هي بنية تحتية قوية وطرق سيارة لا توقفها السيول. فهل تتحرك الوزارة الوصية لتسريع وتيرة الأشغال وتأهيل المسالك البديلة، أم سننتظر فيضانات أخرى ؟



















Sorry Comments are closed