تزنيت.. “مقصلة” الأشغال تلتهم ذاكرة شارع الحسن الثاني وتضع الشعارات البيئية على المحك

الوطن الأن9 يناير 2026Last Update :
تزنيت.. "مقصلة" الأشغال تلتهم ذاكرة شارع الحسن الثاني وتضع الشعارات البيئية على المحك
تزنيت.. "مقصلة" الأشغال تلتهم ذاكرة شارع الحسن الثاني وتضع الشعارات البيئية على المحك

في رمشة عين ، تحول جزء من شارع الحسن الثاني بمدينة تزنيت، الذي طالما شكل رئة خضراء ورمزاً جمالياً للمدينة، إلى ساحة “إعدام” جماعي لعشرات الأشجار المعمرة. تحت غطاء أشغال التهيئة والحفر، وبدلاً من أن تكون التنمية رافعة لجودة العيش، تحولت الجرافات إلى “مقصلة” بترت ما لا يقل عن 21 شجرة، في مشهد وصفه الفاعلون المدنيون بالانتكاسة البيئية التي تشوه الهوية البصرية لتيزنيت ، وسط مخاوف جدية من أن يمتد هذا الاجتثاث ليشمل ما تبقى من الغطاء النباتي على طول مسار الورش.

إن ما يزيد من مرارة هذا المشهد هو القيمة التاريخية والرمزية لهذه الأشجار؛ فهذه الصفوف المتراصة من نوع “Ficus”، لم تكن مجرد نباتات تزين الرصيف، بل هي إرث حي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود. فقد تم غرسها في لحظة فارقة من تاريخ المدينة بمناسبة اليوم العالمي للبيئة في 5 يونيو 1994، لتكون شاهداً على وعي بيئي مبكر، واستثماراً في الطبيعة تطلب 32 سنة من العناية والانتظار لتصل إلى ما كانت عليه من شموخ وظل، قبل أن تجهز عليها الآليات.

إن هذا الاعتداء على أشجار “الفيكوس” ليس مجرد “خسارة خشبية”، بل هو قطع لشريان يربط بين ماضي المدينة وحاضرها، وخرق صارخ لمبدأ استدامة المدن. فالأشجار في الفضاءات الحضرية ليست ديكوراً تكميلياً يمكن الاستغناء عنه بقرار إداري جاف، بل هي آليات طبيعية لتلطيف المناخ المحلي وامتصاص الانبعاثات الكربونية.

وأمام غياب أي لوحات إرشادية أو تواصل استباقي من طرف القائمين على المشروع، يكرس منطق “فرض الأمر الواقع” ويغيب المقاربة التشاركية التي ينص عليها الدستور المغربي. ومن الناحية القانونية، تضع هذه الواقعة المجلس الجماعي لتزنيت في قلب المساءلة الأخلاقية والقانونية. فبموجب مقتضيات القانون التنظيمي 113.14، تعتبر الجماعة الحارس الأول على الملك العمومي والمسؤول المباشر عن مراقبة الأوراش وحماية التوازن البيئي داخل المدار الحضري.

إن التفويض للمقاولات بإجراء إصلاحات تقنية لا يعني منحها صكاً على بياض لاجتثاث الغطاء النباتي دون دراسة أثر بيئي دقيقة، أو دون الالتزام بغرس بدائل فورية تحترم النظم الإيكولوجية للمنطقة. هذا التراجع البيئي المحلي يضعنا أمام مفارقة صارخة عند استحضار الالتزامات الدولية للمملكة. فالمغرب، الذي أبهر العالم باحتضان قمة المناخ “كوب 22” بمراكش، قدم للعالم نموذجاً في الريادة البيئية، مؤكداً عبر توصياتها على ضرورة جعل “المدينة المستدامة” أولوية وطنية.

إن قطع أشجار في قلب تزنيت في زمن التغيرات المناخية الحادة، هو تناقض صريح مع روح تلك التوصيات التي دعت إلى حماية التنوع البيولوجي الحضري وزيادة المساحات الخضراء لا تقليصها. كما إن الساكنة اليوم لا تطالب بوقف التنمية أو عرقلة الأشغال، بل تطالب بـ “تنمية عاقلة” تحترم الشجرة كما تحترم الرصيف، وتدعو السلطات الإقليمية والمجلس الجماعي إلى مراجعة مخططات الحفر الجارية فوراً، لضمان ألا تتحول “عصرنة” الشوارع إلى “تصحير” ممنهج يسرق من تزنيت ظلها وهويتها الخضراء التي تأسست منذ صيف 1994.

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News