قرية المعرفة بتيزنيت…أفق واعد للعدالة المجالية وتحديات الانتقال من المرسوم إلى المدرج

الوطن الأنساعة واحدة agoLast Update :
قرية المعرفة بتيزنيت…أفق واعد للعدالة المجالية وتحديات الانتقال من المرسوم إلى المدرج

شكلت مصادقة مجلس الحكومة على مشاريع المراسيم المتعلقة باحداث مؤسستين جامعتين بإقليم تيزنيت منعطفا يترجم في جوهره إرادة الدولة نحو ترسيخ جهوية متقدمة قائمة على الإنصاف المجالي وتكافؤ الفرص. ويحمل هذا القرار الاستراتيجي في طياته آمالا عريضة للساكنة المحلية وللاجيال الصاعدة، حيث يضع حدا لمعضلة “النزيف العلمي” والهجرة الأكاديمية القسرية لمئات الطلبة صوب الحواضر الكبرى، وما يرافقها من أعباء اقتصادية ونفسية واجتماعية ترهق كاهل الأسر الهشة. وبذلك يجب ان لا يقتصر هذا المشروع على كونه مجرد ملحقات تعليمية، بل يتجاوزه ليكون نواة لقطب معرفي واعد كفيل بتغيير الملامح الديموغرافية والاقتصادية للإقليم، وتنشيط الدورة التنموية عبر استقطاب الكفاءات والبحوث العلمية المرتبطة بالخصوصيات المحلية.

والمتأمل في المسار الإجرائي لهذا الملف يلمس مؤشرات إيجابية قوية تبعث على التفاؤل والارتياح، وفي مقدمتها الحسم النهائي والناجع في توفير الوعاء العقاري وتعبئته بمنطقة “غابة موانو” في عهد حكومة الدكتور سعد الدين العثماني، وهو ما يمثل تذليلا لإحدى أعقد العقبات التقنية والقانونية التي لطالما تسببت في تعثر المشاريع البنيوية الكبرى في المغرب. إن اختيار هذا الموقع الحيوي يمنح المشروع مساحة جغرافية استراتيجية تسمح بالتمدد العمراني والأكاديمي المستقبلي، ويجعل من إقليم تيزنيت منصة ربط معرفية بين محور جهة سوس ماسة والأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة قوامها التفاؤل والثقة في القدرة على إنجاز التحول المنشود وتحقيق التنمية المستدامة.

بيد أن هذا التفاؤل المشروع والأفق الواعد المفعم بالإيجابية، لا ينبغي أن يحجب عن الفاعلين المقاربة العقلانية القائمة على الحذر واليقظة التدبيرية، إذ إن القراءة الرصينة لتجارب الأقطاب الجامعية الناشئة تؤكد أن صك “المصادقة الحكومية” يظل وثيقة إدارية ونظرية ما لم تقترن بسلسلة من التدابير الإجرائية واللوجستيكية الصارمة على أرض الواقع. والواقع أن ساكنة إقليم تيزنيت، بفعل تجاربها المتراكمة، لم تعد تبدي تيقنها المطلق بما يُخط على الأوراق والوعود الرسمية، بل أصبحت تربط منسوب ثقتها بمدى الإنجاز المادي الفعلي والملموس على الأرض. ولعل في الذاكرة المحلية نموذجاً حياً يتجسد في تجربة مشروع إنشاء الكلية الذي تمت برمجته وتوفير كل ظروفه وإمكانياته اللوجستيكية والمالية لتشييد “قرية المعرفة” في عهد حكومة العثماني، قبل أن يتم إلغاؤه وتجميده مع مطلع ولاية حكومة أخنوش، التي انتظرت حتى الفترات الأخيرة من عمر ولايتها الحكومية ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لتعيد المصادقة على المشروع، وهو المسار الذي يبرر حالة الحذر السائدة ويجعل الفعالية التنفيذية المحك الحقيقي لصدقية القرار السياسي الحالي وتفادي تمطيط الزمن التنموي.

وفي طليعة هذه الإجراءات الحاسمة، يأتي واجب الإفراج الفعلي والتدريجي عن الاعتمادات والسيولة المالية المرصودة لعمليات البناء والتجهيز ضمن الميزانيات القطاعية لوزارة التعليم العالي، مع تحصين مساهمات الشركاء المحليين والجهويين بجدول زمني صارم وملزم. كما تتصدر قائمة الأولويات ضرورة الإسراع بربط موقع “غابة موانو” بشبكات البنية التحتية والخدمات الأساسية، من خلال تهيئة المسالك الطرقية والولوجيات، ومد قنوات الماء الشروب، والكهرباء، والتطهير السائل، والأنترنيت عالي الصبيب، لتهيئة الأرضية التقنية قبل انطلاق صفقات التشييد، تلافيا لأي توقف ناجم عن غياب المرافق الحيوية بالموقع.

وعلاوة على الهندسة المعمارية، فإن الحذر يفرض التخطيط القبلي والمستقبلي لـ “الهندسة الاجتماعية والبيداغوجية” المرافقة للمشروع. فالاستقطاب الأكاديمي الناجح رهين بإحداث منظومة نقل عامة تربط مركز المدينة والجماعات المجاورة بالقطب الجديد، وبناء إقامات جامعية حديثة تلائم الوضعية المادية للطلبة المنحدرين من أوساط قروية أو شبه حضرية. والأهم من ذلك كله، هو ضرورة ابتكار عرض تربوي ومسالك تعليمية متميزة تقطع مع الشعب التقليدية المكررة للعطالة، وتتبنى بالمقابل تخصصات واعدة تتماشى مع المؤهلات الاقتصادية والبيئية للإقليم، ليتكامل البناء الإسمنتي في “موانو” مع الجودة المعرفية في صياغة مستقبل واعد لاقليم تيزنيت .

الحسن بولعسير

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News