ليست المشاريع العمومية قصائد تزينها الكلمات، بل عقود تقاس بالإنجاز، ولا توزن ببلاغة البيانات، وإنما بصلابة الإسمنت، ودقة التنفيذ، واحترام دفاتر التحملات.
وحين تتحدث الشركة عن المراقبة الصارمة، بينما يثير فيديو متداول نقاشا واسعا بين المواطنين حول جودة الأشغال، فإن الحقيقة لا يسكنها البلاغ، بل تسكنها الخبرة الميدانية.
فالبيان كلمة، أما الواقع فهو الشاهد الذي لا يجامل.
إن المال العام ليس نهرا بلا ضفاف، ولا خزينة بلا حارس، بل هو أمانة في أعناق كل من تولى مسؤولية، من الآمر بالصرف إلى المهندس، ومن مكتب الدراسات إلى المختبر، ومن المقاولة إلى كل جهاز أوكل إليه القانون مهمة المراقبة والتتبع.
وهنا يبرز السؤال الكبير: أين هي الرقابة التي تسبق المحاسبة؟ وأين هي المؤسسات التي خول لها القانون حماية المال العام قبل أن يتحول الجدل إلى أزمة ثقة؟
إن صمت جماعة تيزنيت أمام هذا النقاش الواسع لا يبدد الشكوك، بل يوسع دائرتها. كما أن أنظار الساكنة تتجه إلى عامل إقليم تيزنيت، بصفته المسؤول عن تتبع حسن تنفيذ المشاريع العمومية، من أجل إصدار تعليماته بإجراء افتحاص تقني مستقل، يجيب بالأدلة لا بالشعارات، وبالخبرة لا بالتطمينات.
فالمشاريع الكبرى لا يحرسها الإسمنت وحده، وإنما تحرسها يقظة الضمير، وصرامة القانون، واستقلالية المراقبة. وإذا نامت عين الرقابة، استيقظت آلاف الأسئلة.
تزنيت ليست رقعة تختبر فوقها جودة الأشغال، وليست مدينة تقبل أن يبقى المال العام معلقا بين روايتين؛ رواية البلاغ، ورواية الصورة. إنها مدينة تستحق أن يكون كل متر من القناة، وكل حبة رمل، وكل طبقة دمك، مطابقة لما دفع من أجله من أموال المواطنين.
إن الدستور المغربي لم يجعل ربط المسؤولية بالمحاسبة زينة في النصوص، بل جعله ميزانا توزن به الأمانة، وسيفا يحمي المال العام من كل تقصير أو تهاون.
فمن أحسن فله التقدير، ومن قصر فالقانون أولى به من الصمت.
فلتفتح أبواب الخبرة، ولتتكلم التقارير، ولينطق المختبر بما عاين، ولتعرض النتائج على المواطنين بكل شفافية. عندها فقط سيهدأ الجدل، لأن الحقيقة إذا ظهرت، سقطت كل التأويلات.
فهل ستنتصر الحقيقة على الغبار، أم سيبقى الغبار يحجب الحقيقة؟
ولنا عودة..















Sorry Comments are closed