سعيد رحم … عندما ينجلي الغبار

الوطن الأن4 دقائق agoLast Update :
سعيد رحم ... عندما ينجلي الغبار
سعيد رحم ... عندما ينجلي الغبار

في خضمّ أشغال المدينة، تلك الأشغال التي باتت مألوفة في جل المدن المغربية التي تشهد دينامية متسارعة في مجال التهيئة الحضرية، يطفو في تيزنيت خطاب سياسي وإعلامي يجمع بين السذاجة والريبة في آن واحد.

ساذج، حين يُروج لهذه الأشغال وكأنها حدث استثنائي خارق، متناسيا أنها جزء من روتين التهيئة الحضرية للمدن، ومتوافقا مع فاعلين ترابيين اعتادوا التفكير في المدينة من خلال مهرجانات عابرة أو تدبير يومي آني، لم يكن يوما ضمن أولوياتهم طرحُ أسئلة جوهرية حول مستقبل المدينة ومشاريعها الكبرى…ولم يمكن قط في سلوكهم التدبيري الانتقال من الانغماس في اليومي الى التفكير في الاستراتيجي.
مريب، حين يحاول تبرير الفوضى التي تخلفها أشغال البناء والتهيئة، متخذا من “الغبار” ذريعة واهية للتطبيع مع واقع غير مقبول، وكأننا أمام محاولة ممنهجة لخلق مناخ من الاستسلام للفوضى، تحت شعار “لا صوت يعلو على الغبار”.

وفي هذا السياق، نسمع أصواتا تحتفي بالغبار وتمتدحه، وكأنه رمز للتنمية، بينما هو في الحقيقة دليل على هشاشة الرؤية، وارتجال القرارات، وتراجع معايير الجودة، والالتزام البيئي، واحترام صحة المواطن. وكأن ثمّة توجّها عاما يُصرّ على أن نستسلم لهذا الغبار، متجاهلا أن للمدينة حقوقا، وللمواطن تطلعات تتجاوز مجرد تحمّل الغبار، إلى المشاركة في صناعة فضاء حضري نظيف، وآمن، وجاذب.

في الوقت الذي تحتكر فيه شركة التنمية المحلية زمام المبادرة في إيقاع ومنهجية الأشغال، تكتفي جماعة تيزنيت وحلقتها الإعلامية المهترئة بالاحتفاء بجمالية الغبار! وكأن الغبار صار برنامجا تنمويا بامتياز، و وحده يكفي كخارطة طريق للتنمية المحلية، متناسين أن المشاريع الحضرية لا تُقاس بارتفاع سحب الغبار، بل بما تتركه من أثر ملموس على حياة المدينة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، وعلى جاذبيتها كفضاء للعيش والاستثمار.

إن الاحتفاء بالغبار ليس مجرد سذاجة، بل هو تغطية مكشوفة لفشل ذريع في التدبير، وتبرير واضح لغياب المسؤولية، وضيق في الأفق، وبؤس الفكر اليومي، وكأننا مدعوون للتسليم بأن المشاريع لا يمكن أن تنجز دون إزعاج، وهذا الإزعاج يُصبح حقا مكتسبا للمقاولات، وواجبا على المواطن أن يتحمله بصبر، دون دفتر تحمّلات، ودون معايير بيئية وصحية، ودون أي مساءلة.

لا أحد ضد تأهيل المدينة وتهيئتها، بل بالعكس، فهي ضرورة ملحّة. لكن ما تجهله جماعة “مديح الغبار العالي” أن كل تأهيل لا ينتج أثر اقتصادي ملموس، ولا يُحدث نقلة نوعية في حياة السكان، لا يعدو أن يكون مجرد واجهة برّاقة تخفي بؤسا اجتماعيا ووهنا تنمويا، وتعطّلا في الدينامية الاقتصادية المحلية، فمن يحتفي بجمالية الغبار عليه ان يجيب غدا على أثر هذا الغبار في جيوب المواطنين و رواج التجار، وحركية السوق و آليات خلق الثروة في المدينة..

اليوم، هناك توجّه صريح نحو الاستسلام لبؤس الغبار السياسي والإعلامي وفي جميع المناحي، فالغبار السياسي يرفض طرح الأسئلة الحقيقية، ويصادر اليقظة المدنية، ويسطو على حق المجتمع في المراقبة والمشاركة. هذا الغبار السياسي والإعلامي لا يملك أي تصور شمولي للمدينة، ولا أي رؤية استراتيجية، بل يكتفي بدور المتفرج الذي يؤنس شركة التنمية المحلية، صاحبة الكلمة الفصل في الميدان..

لذلك نقول لهؤلاء ، كما قال بديع الزمان الهمذاني “ستعلمُ حين ينجلي الغُبارُ … أفرسٌ تحتَكَ أم حمارُ”!
فالحقيقة وحدها هي التي تبقى، والغبار مهما علا، فإنه سرعان ما ينجلي، ليكشف ما خلفه من إنجازات حقيقية أو إخفاقات مدوية.

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News