رغم الزخم القاري الذي خلقته تظاهرة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، وما رافقها من انتعاش اقتصادي وسياحي واضح بمدينة أكادير التي احتضنت مباريات مجموعة مصر، بدت مدينة تيزنيت—القريبة جغرافيًا والغنية ثقافيًا—غائبة عن المشهد. غياب يطرح أسئلة عميقة حول اختلالات تسويق المدينة، وجدوى السياسات المحلية في استثمار الفرص الكبرى.
تيزنيت ليست مدينة عابرة في الخريطة السياحية الوطنية. فهي عاصمة الفضة بامتياز، وموطن للصناعة التقليدية الأصيلة، وتحتفي سنويًا بتراثها عبر مهرجان الفضة الذي يشكل علامة ثقافية قادرة على اختراق الأسواق الإفريقية والدولية. غير أن هذا الرصيد ظل—خلال التظاهرة القارية—خارج دائرة الاستفادة، في وقت تحولت فيه أكادير إلى قطب جذب سياحي وتجاري وإعلامي.
يتضح أن الإشكال لا يرتبط بندرة المؤهلات، بل بضعف الرؤية التسويقية. فغياب حملات ترويج موجهة للجماهير الإفريقية الوافدة، وعدم بناء عروض سياحية متكاملة (مسارات ثقافية، زيارات حرفية، ترويج للفضة، تجارب محلية قصيرة المدى)، كلها عوامل قلّصت حظوظ المدينة في اقتناص جزء من الطلب السياحي الموسمي المرتبط بالبطولة.
كما أن الربط الوظيفي بين تيزنيت وأكادير ظل محدودًا؛ لا على مستوى النقل السياحي المنظم، ولا عبر باقات مشتركة بين الإقامتين (المدينة الساحلية/المدينة التراثية). في تظاهرات من هذا الحجم، حيث تُكسب التفاصيل الصغيرة المدن فرصًا كبيرة. مما يجعلنا نطرح السؤال التالي :هل قامت المجالس المنتخبة بدورها؟
المسؤولية هنا جماعية، وتبدأ من الاستباق. فالتظاهرات الكبرى تُحضّر لها بخطط متعددة السنوات، تتطلب تنسيقًا بين الجماعات الترابية، والفاعلين السياحيين، وغرف الصناعة التقليدية، والمجتمع المدني. غياب تيزنيت عن البرامج الرسمية أو الموازية، وضعف حضورها في المواد الترويجية الجهوية، يعكس قصورًا في التنسيق الجهوي، وافتقارًا لقيادة محلية تضغط من أجل إدماج المدينة في خريطة الاستفادة. بحيث كان من المفترض أن تشكل البطولة فرصة ذهبية لـالاقتصاد الاجتماعي والتضامني بتيزنيت: تعاونيات الفضة، الحرفيات، المنتجات المجالية، والورشات الحية. غير أن ضعف القنوات التسويقية، وغياب منصات عرض قريبة من أماكن التوافد الجماهيري، حدّا من استفادة هذه الفئات.
في زمن الصورة والقصص الرقمية، لا يكفي امتلاك التراث؛ بل يجب سرده بذكاء. حضور تيزنيت في الإعلام الوطني والدولي خلال التظاهرة كان خافتًا. لا قصص عن الفضة، ولا محتوى رقمي موجه للزوار الأفارقة، ولا حملات على منصات التواصل بلغات متعددة. إنها فجوة تواصلية تُضعف الأثر الاقتصادي لأي حدث عابر.و لتجاوز هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى:
إستراتيجية تسويق ترابي واضحة، موجهة للأسواق الإفريقية.
باقات سياحية مشتركة مع أكادير خلال التظاهرات الكبرى.
إدماج الاقتصاد الاجتماعي عبر منصات عرض دائمة ومؤقتة.
تعزيز التواصل الرقمي والقصص الثقافية متعددة اللغات.
حوكمة جهوية تُلزم التنسيق وتُفعّل المحاسبة.
غياب تيزنيت عن الاستفادة من كأس إفريقيا للأمم ليس قدرًا، بل نتيجة اختيارات وسياسات قابلة للمراجعة. فالمدينة تملك ما يؤهلها للحضور القاري والدولي، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية، ورؤية تسويقية، وتنسيقًا فعالًا. أسئلة الرأي العام المحلي والجهوي مشروعة، والإجابة عنها تبدأ بالفعل لا بالتبرير.















Sorry Comments are closed