خليل ادمولود …زنقة إدزكري،عندما تصبح السلعة احتجاجا، والوعي بالقهر أداة للتحرر الحضري

الوطن الأنساعة واحدة agoLast Update :
خليل ادمولود ...زنقة إدزكري،عندما تصبح السلعة احتجاجا، والوعي بالقهر أداة للتحرر الحضري
خليل ادمولود ...زنقة إدزكري،عندما تصبح السلعة احتجاجا، والوعي بالقهر أداة للتحرر الحضري

تضعنا “انتفاضة السلع” في زنقة إدزكري بتيزنيت أمام مشهد سريالي يحمل في طياته أبعادا أعمق من مجرد نزاع تجاري على مساحات العرض، إن إخراج التجار لسلعهم إلى الشارع كإجراء مضاد لـ “الفراشة” (الباعة المتجولين) ليس مجرد احتجاج اقتصادي عابر، بل هو تفكيك مادي واعي لآليات الرقابة المكانية.

لا يمكن قراءة هذا الحدث عبر الثنائيات التقليدية المختزلة مثل “القانون في مواجهة الفوضى” أو “التاجر الشرعي ضد البائع العشوائي”.

إننا وبشكل أكثر عمقا، أمام تجل صارخ لكيفية إنتاج المساحة الحضرية وصراع خطابات السلطة داخل ما يسمى “الملك العام”، حيث يعاد تعريف أدوات الاحتجاج خارج الأطر السيادية المعتادة للدولة.

تتحرك الأطروحة التقليدية للتجار المستقرين من منطلق الدفاع عن حماية الرأسمال الثابت ضد ما يوصف بـ “الاستغلال العشوائي للملك العام”.

يمثل المحل التجاري صيغة من صيغ “الإقليمية” حيث يمنح التاجر شرعية قانونية وجغرافية ترسمها السلطة مقابل التزامات ضريبية محددة.

لكن عندما أخرج تجار إدزكري سلعهم إلى الشارع، فإنهم لم يلجأوا فورا إلى “العنف الشرعي” للدولة لفرض النظام، بل مارسوا نوعا من المحاكاة الساخرة لأسلوب الفراشة نفسه.

إن إخراج “المانكانات” وحوامل الملابس إلى وسط الزنقة وقطع الممرات هو استخدام لجسد السلعة كمتراس، إنه احتلال للمساحة بأدوات “اللامنضبطين” لإجبار الفضاء الحضري على الاعتراف بوجود أزمة تراتبية.

من هنا يمكن تفهم ما يقوم به التجار كشكل احتجاجي ملموس، يعكس رغبة مبطنة في رفض العشوائية الإدارية والمكانية التي تفرضها ظروف المدينة.

في المقابل، يمثل “الفراشة” أو الباعة المتجولون ما يسميه جيل دولوز وفيليكس غوتاري “خطوط الهروب”، إنهم يخترقون الفضاء الحضري المنظم والمخطط له سلفا من قبل مهندسي الدولة، ويحولون الممرات الجافة إلى فضاءات نابضة بالتدفقات الحضرية الشعبية.

إن توصيف نشاط الباعة المتجولين بـ “العشوائي” هو خطاب سلطوي يهدف إلى “وصم” كل نشاط اقتصادي لا يمر عبر قنوات الرأسمالية الرسمية. هؤلاء الباعة لا ينتظرون سيادة قانونية ليمارسوا حقهم في البقاء، بل يعيدون تملك المدينة عبر أجسادهم وسلعهم الخفيفة القابلة للتفكيك السريع، مما يجعلهم في حالة سيولة مستمرة تفلت من عين “الرقابة الشاملة”. ومع ذلك فإن هذا الوضع يضع الطرفين (التجار والفراشة) في مواجهة وهمية صممتها بنيات السلطة لإلهائهم عن الأزمات الهيكلية الأوسع للمدينة.

يحدث التجاوز الجذري لهذا الصراع الأفقي عندما يتم التفكير خارج “عقلية التنافس” الرأسمالية الضيقة، واستحضار بعد تضامني وتكافلي في النشاط اليومي والاحتجاجي. إن الرأسمالية الحضرية تغذي “الذاتية النيوليبرالية” التي تجعل الطبقات الشعبية والمتوسطة تتصارع فيما بينها على “الفتات المكاني”، بينما تحتكر النخب المساحات الكبرى.

لذلك فإن المخرج يتطلب الانتقال نحو “التحالف الجذري والأفقي” بدلا من الصدام، يبرز خيار حتمي:

• الاتحاد والتنظيم الذاتي: يجب أن يتحد التجار والباعة المتجولون لإيجاد مكان مناسب لإيواء الباعة، واسترجاع “محطات القرب” التي تعتبر شريانا حقيقيا للنشاط التجاري في قلب المدينة.

•إنتاج وعي تحرري: إن الخطوة الأولى لكسر هذا الطوق السلوكي تبدأ من حقيقة أنه “عندما نكون واعين بظروف قهرنا، نكون أكثر قدرة للتحرك من أجل إيجاد حلول لمشاكلنا”. هذا الوعي يفكك آليات “السلطة الحيوية” التي تجعل المضطهدين يمارسون أدوات القهر ضد بعضهم البعض. لو تم استحضار هذا البعد التكافلي حول الظروف الاجتماعية المزرية بالمدينة، لتحقق للمدينة ما هو أفضل للصالح العام.

إن ما شهدته زنقة إدزكري ليس مجرد زحام في ممر ضيق، بل هو مختبر ميكرو-سياسي يعكس أزمة الفضاء الحاضن للطبقات الشعبية. إن المنهج الأناركي والتحرري يفكك هذا المشهد ليبين أن الحل لا يكمن في تحويل السلع إلى متاريس تفصل بين الفقراء، بل في تحويل الفضاء الحضري إلى “مشاع يدار ذاتيا بالتضامن، فمن خلال وعي القهر المشترك، يمكن للتجار والباعة على حد سواء تحويل النزاع الفردي إلى قوة دفع جماعية تصنع تنظيما حرا وعادلا بعيدا عن هراوات السلطة ومصائد التنافس.

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News