عبدالله صمايو : صليب من المغرب إلى اليونان.. هدية دبلوماسية أم زلة بروتوكولية؟

الوطن الأن36 دقيقة agoLast Update :
عبدالله صمايو : صليب من المغرب إلى اليونان.. هدية دبلوماسية أم زلة بروتوكولية؟
عبدالله صمايو : صليب من المغرب إلى اليونان.. هدية دبلوماسية أم زلة بروتوكولية؟

قراءة في واقعة صليب العرعار، بين بروتوكول الدولة وخصوصيات إمارة المؤمنين و عقيدة المسيحيين في الصليب

شكلت التدوينة التي شاركها كاتب الدولة لحسن السعدي، عبر صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي والتي وثق فيها لقاءه برجال دين مسيحيين في اليونان وإهداءهم صليبا مصنوعا من خشب العرعار المغربي التقليدي، مادة دسمة للنقاش العمومي. ففي حين صيغت التدوينة بلغة دبلوماسية دافئة تركز على مفاهيم: حوار الأديان، والتسامح، والتفاعل الخلاق، فإن الحدث في عمقه السلوكي والرمزي يثير جملة من التساؤلات النقدية المقلقة حول حدود التمثيل السياسي، وخصوصية تدبير الحقل الديني في المملكة، ومدى الوعي بالحمولة اللاهوتية العقدية للرموز المتبادلة.

وتنطلق الإشكالية الأولى في هذه الواقعة من معطى بنيوي يتعلق بإشكالية التمثيل الديني وسؤال التفويض من إمارة المؤمنين، وهو ما يحيل مباشرة على الخلط الوظيفي بين الصفة السياسية للحكومة والخصوصية السيادية لتدبير الشأن الديني في المغرب. فالمغرب ليس دولة علمانية محايدة يملك فيها أي مسؤول سياسي حق المبادرة في تمثيل المكون الديني للدولة، بل هو دولة تؤطرها مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها الحامي الحصري للملة والدين بموجب الفصل 41 من الدستور.

وهنا تبرز عدة استفهامات نقدية حول حدود الاختصاص، وما إذا كان يندرج إهداء صليب لجهة دينية أجنبية ضمن الحقيبة الوزارية لكاتب دولة في الحكومة، إذ إن الإجابة البروتوكولية التاريخية هي بالنفي، لكون الدبلوماسية الدينية للمملكة تخضع لبروتوكول صارم وقنوات لادينية موازية تشرف عليها إمارة المؤمنين بشكل مباشر أو عبر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

كما أن غياب أي إشارة بروتوكولية رسمية تؤكد أن الخطوة جاءت بتكليف ملكي سام، يضع سلوك المسؤول الحكومي في خانة الاجتهاد الشخصي غير المحسوب، مما يفتح الباب واسعا لسؤال العلم والتفويض، وهل كانت المؤسسة الملكية وأمير المؤمنين على علم بهذه الخطوة وهل تم التفويض له لتقديم رمز ديني بهذه الحساسية، خصوصا وأن تقديم رمز كالصليب باسم مسؤول في الدولة قد يفهم منه خطأ أنه تعبير عن موقف عقدي أو اعتراف مؤسساتي يتجاوز حدود الاحترام المتبادل إلى الانخراط في الرمزية الدينية للآخر.

ويتطلب الشق الثاني من هذه القراءة النقدية تفكيك دلالة الهدية المتمثلة في الصليب المزخرف بين الاختزال السياحي والعقيدة المسيحية، حيث يبدو أن هذا السلوك قد سقط في سوء فهم لاهوتي ثنائي الأبعاد.

يتجلى البعد الأول في المساس بالمعتقد المسيحي عبر أنسنة المقدس، فبالنسبة للفكر اللاهوتي المسيحي لا ينظر إلى الصليب كأداة للزينة أو تذكار سياحي يمثل الصناعة التقليدية لبلد ما، بل هو في الوجدان المسيحي رمز الفداء، والآلام، والتضحية الأسمى. وعندما يقدم الصليب مزخرفا ومصنوعا بلمسة حرفية محلية لأغراض دبلوماسية، فإن ذلك يحمل نوعا من الاختزال الفلكلوري لرمز عقدي شديد الحساسية، مما قد يراه الحريصون على عمق العقيدة تقليلا من قدسيته وتحويله إلى أداة مجاملة سياسية.

أما البعد الثاني فيرتبط بالمفارقة الوجدانية وحول ما إذا كان يمر هذا الفعل الدبلوماسي بسؤال هل يقبل الصليب فرحا، إذ في الثقافة اللاهوتية الأرثوذكسية السائدة في اليونان، يرتبط الصليب بالخشوع والرهبة وتذكر الموت والقيامة، وبالتالي فإن تقديمه في إطار الاحتفال وتبادل الابتسامات السياسية يخلق مفارقة سيميائية واضحة، فالصليب لا يهدى كهدية بهيجة بل يحمل كتكليف وروابط روحية، وهو خلل في فهم ثقافة الآخر الدينية يوضح أن الخطوة افتقرت إلى مستشارين دينيين يدركون الفارق بين حوار الثقافات والارتجال الرمزي.

وفي سياق متصل، يكشف هذا السلوك عن مظاهر مخالفة الخصوصية المغربية في تدبير التنوع الديني والثقافي، إذ لقد بنى المغرب نموذجه الفريد في التسامح على مبدأ الاحترام المشترك من موقع التمايز العقدي، فأمير المؤمنين يضمن حرية ممارسة الشؤون الدينية لغير المسلمين كما يظهر في رعاية الكنائس والمقابر والبيوع اليهودية، لكنه لا يتبنى رموزهم ولا يهديها.

بناء على ذلك، فإن إقدام مسؤول حكومي على إهداء صليب صنع في المغرب يمثل خروجا غير مبرر عن هذه الخصوصية، فالنموذج المغربي يصور الإسلام كحاضن للتنوع وليس كمصنع أو مهد لرموز تخالف عقيدته الرسمية، وكان بالأحرى بالمسؤول الحكومي، لو أراد تجسيد التنوع والدبلوماسية الموازية، أن يهدي مخطوطا تاريخيا، أو تحفة من فن العمارة المغربية كزلّيج أو نقش خشب هندسي مجرد يعكس الهوية الحضارية للمملكة، دون الدخول في زاوية الرموز العقائدية الصرفة.

وتأسيسا على ما سبق، تظل واقعة إهداء صليب العرعار نموذجا حيا على ما يمكن تسميته بالدبلوماسية العاطفية غير المدروسة التي تقع فيها بعض النخب السياسية المعاصرة استعجالا لإظهار قيم الانفتاح. إن ما يسمى (حوار الأديان) في المنطق المغربي، والمدعوم برؤية ملكية، هو حوار مؤسساتي يحترم الحدود اللاهوتية والخصوصيات السيادية، وتظل المبادرات الفردية في هذا الباب، مهما حسنت نواياها، مجازفة بروتوكولية وسياسية تتطلب الكثير من الضبط والمراجعة لكي لا تمس بوقار المؤسسات الدينية السيادية للمملكة أو العقائد الحساسة للآخرين.

عبد الله صمايو
فاعل مدني
مهتم بتحليل وتقييم السياسات العمومية

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News