سيدي على ماء العينين :الأمومة من زاوية مختلفة…كل من ماتت والدته فهو نصف ميت

الوطن الأن16 أبريل 2024آخر تحديث :
سيدي على ماء العينين :الأمومة من زاوية مختلفة...كل من ماتت والدته فهو نصف ميت
سيدي على ماء العينين :الأمومة من زاوية مختلفة...كل من ماتت والدته فهو نصف ميت

الأمومة من زاوية مختلفة …كل من ماتت والدته فهو نصف ميت .

الأم لا يمكن ان تعيش الأمومة إلا إذا عاشت المخاض ،والمخاض يسمونه تلك اللحظة الفاصلة بين الموت و الحياة لكائنين في وقت واحد ، إمرأة تلد ،و كائن يولد يكون واحدا او أكثر .
” خطفت إمرأة مولودا من أمه . قبل الإقدام على هذه الخطوة قامت المرأة بأبحاث ودراسات حول كل ما يتعلق بتربية الجنين و الطفل وحتى يصبح شابا ،
وهي تحاول تطبيق ما تعلمته على الطفل أدركت مع مرور الوقت انها مصطنعة ،وهو إحساس تملكها منذ مدت يديها لضم المولود ، و حتى حين وقعت عيناها على عينيه ، لتجد نفسها عن سهو ، تبحث عن شبه فيه منها مع يقينها انه ليس منها .
المفارقة هي ان المولود المخطوف يكبر دون ان يرى الفارق بين خاطفته و امه التي يفترض أن تكون خاطفته ، فهو كلما حصل على رعاية و حنان كلما زاد ارتباطه بها ، فهو لا يعرف الحقيقة ،
هي التي تعرف الحقيقة يراودها الشك دوما انها قصرت في منح الطفل حنانا كاملا لمجرد انها ليست امه ، و لكنها لا تستطيع ان تفهم تعلقها به الذي يزداد يوما عن يوم هل هو إحساس أمومة او مجرد ألفة راكمتها الأيام .”
المرأة في هذا الوضع الذي وضعت نفسها فيه ووضعت الطفل فيها مفترقان او مجتمعان هو وضع طبيعي لمحاولة تغيير سنة الكون بأن الولادة تسبق التربية والعناية والرعاية ، او لنقل ان الولادة تسبق الأمومة ، فليست كل إمرأة أما إلا إذا أنجبت .
وبين ان تكون المرأة التي خطفت المولود عاقرا او أن لا ترغب في الإنجاب او مجرد رغبة في خوض تجربة الأمومة بلا إنجاب ،تصبح الحكاية كلها مختلفة ومتباينة .
فعل الخطف بدافع الحرمان من الإنجاب يختلف عن فعل الخطف خوفا من الإنجاب ، و بفعل الخطف بحثا عن تجربة .
ولأن الإنجاب ليس مجرد إخراج مولود الى الوجود ، ومن حيث هو رحلة شهور بين وحم وألم و أنين ووجع و تقلبات ومخاض وعودة الى الحياة ،
فكل هذه التجربة لا يخوضها محروم ،ولا خائف ولا مغامر يسعى وراء تجربة تغير سيرورة الكون حيث الإنجاب يسبق الأمومة ،
هذه التجربة من حيث هي مخاض تختزل فلسفة استمرار الكون عبر التوالد ،والذي يفترض ذكرا و انثى ،
الانثى كما الذكر لا يستطيعان الإنجاب بلا أحدهما ، وأما الولادة من حيث هي مخاض وولادة فقد خص بها خالق الكون المرأة دون غيرها من الذكور مهما تحولوا…
وبعدها تبدأ الأمومة التي لا يمكن ان تكون مجرد تجربة ،او تنزيل تطبيقات او مناهج او مؤسسات الرعاية ،
الأمومة هي ذلك الرابط الذي لن يفك طلاسمه أحد ولو كان إمرأة أنجبت أكثر من مرة ،
هو فقط إحساس إمرأة كانت في الخط الرفيع الذي يفصل الحياة عن الموت في لحظة الولادة ، ليخرج من أحشاءها مولود وهبته الحياة من دمها ولحمها وكل خلاياها ، وفوق كل هذا وهبته الحياة من أحاسيسها ،تلك الأحاسيس التي لا يعرف أحد كيف تكونت مع شيئ في الاحشاء لا تراه العين و لا يقبله فم ،ولا تعانقه دراع ولا تلمسه يد ،
كيف لها ان تفعل كل ذلك وهو فيها ومنها وليس هي … او فعلا هو هي، كائنان أحدهما في احشاء الآخر ،
لكن من اين اتت تلك الاحاسيس ؟
وكأن ملك الموت يقف بغرفة العمليات ويخبر المرأة أن روحها لن تصعد الى السماء ، لكنه سيزرعها في مولودها ، وسيبقي على حياتها بلا روح في جسدها ، و عليها ان تعتاد العيش بروح في جسم كائن آخر هو مولودها ،
وكلما تكررت الولادة كلما توزعت الروح على الأبناء كي تتوالد الأواصر من أمومة الى أخوة …
أين الرجل من كل هذا ؟
الرجل كالرب ،هو مصدر خروج هذه الارواح الى الحياة وهو عليه رعايتها و ضمان إستمرارها ،
ولأن الرب لا يلد ،فإن الرجل لا يمكن ان يكون ربا ، هو في حقيقة الأمر كتلة احاسيس لم يلتقي صاحبها بملك الموت ،ولم يعش المخاض ، وهو ما لا يجعل منه اما و”يكتفي” بالابوة .
الأبوة قرار لا يجب ان يكون محكوما بالحرمان و الخوف او المغامرة ،
الأبوة هي التي ترعى الأمومة و رعايتها للبنوة ، وهي التي تتحمل أعباء قرارها وتصون قرارها و تضحي من أجله …
يمكن للابوة ان تكون تطبيقات و مؤسسات و مناهج و مخططات ،لكن الأمومة قطعا ليست كل ذلك ،
الأمومة هي الروح التي تجدها تحت الماء سمكة و في السماء طيرا وعلى الارض في كل مكان ،
لكنها عندما تكون تحت الأرض فإعلم ان روحك التي تسكنك هي فيك نعم ،لكنها تحت الارض ، و رغم ان قدميك ملتصقتين بالأرض ،فإن المسافة بينك و بين روحك التي تحت الارض تفوق ما يمكن ان تتحكم فيه الجاذبية …
صدقوني …كل من ماتت والدته فهو نصف ميت .
إنتهت الرحلة ،عودوا الى واقعكم ، فهل تعتبرون ؟
خاطرة بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة