اسهاما مني في تنوير الرأي العام المحلي بالمعدر حول السياق التاريخي والقانوني الذي مر منه مشروع مطرح النفايات بتيزنيت وعلاقته بجماعة المعدر الكبير، والذي يمكن تقسيمه إلى مرحلتين مختلفتين شكلا ومضمونا، مرحلة ما قبل تنفيذ القانون 28.00 أي قبل سنة 2010 ومرحلة ما بعد تنفيذ هذا القانون أي بعد سنة 2010.
كانت فكرة إيجاد مطرح بلدي بذيل تراود بلدية تيزنيت منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي. وكنت متابعا لتطور النقاش حوله بحكم مسؤوليتي كرئيس جماعة المعدر الكبير، الذي كان عليه دائما التحلي باليقظة والإحتراز من كل ما من شأنه تهديد الساكنة والبيئة بالجماعة. وكانت البلدية تفكر في إيجاد مطرح في جهتها الشرقية – في اتجاه طريق تافراوت- غير بعيد عن المدينة تحسبا لتكلفة نقل النفايات.
وفي بداية سنة 2004، وفور علمي باختيارها للبقعة المحتضنة لمشروع المطرح البلدي في طريق تافراوت، ولاتخاذ تدابير استباقية، ونظرا لتنازع الاختصاص الترابي الذي يقع عادة في الحدود الادارية بين جماعتي المعدر ووجان، وللتأكد من عدم تداخل المطرح بين الجماعتين، اتصلت بأحد نواب بلدية تيزنيت (ك. ع.) الذي أكد لي معرفته الجيدة للموقع المختار لمشروع المطرح البلدي وأبعاده وحدوده وأكد استعداده لمرافقة لجنة -غير رسمية- من المعدر مكونة من نائب أراضي الجموع السابق رحمة الله عليه وخليفة القائد وأحد الموظفين، ولم أتمكن من مرافقتهم نظرا لكوني لدي حصص عمل داخل القسم خلال التوقيت الذي يناسب نائب رئيس البلدية. وكل الحاضرين يعرفون المنطقة جيدا والحدود الادارية للجماعة وسبق لهم أن اشتغلوا عدة مرات في عين المكان على ملف “مشاع بوتكيوت” التابع للجماعة السلالية “آهل المعدر” والتابع إداريا لجماعة “سبت وجان”. وبعد عودتهم أكدوا لي جميعهم أن مشروع المطرح البلدي يقع داخل جماعة وجان وبعيد عن حدود جماعة المعدر الكبير ويبتعد بمسافة أفقية تزيد عن 4 كلم عن أقرب نقطة بالمعدر.
ونظرا لكون البلدية ملزمة فقط بإخبار الجماعة المحتضنة للمشروع وغير ملزمة بأي قرار صادر عن أي جماعة ترابية غير محتضنة لمشروعها، اتصلت برئيس جماعة وجان، صاحب الإختصاص الترابي في الرفض أو القبول، لوجوب إبداء رأي المجلس الجماعي حول كل مشروع تقرر انجازه على تراب جماعته إذا كان تحقيقه سيمس بالبيئة. وأكد لي علمه بالموضوع وكونه ينتظر مراسلته في شأنه، وطمأنني بأنهم متفقون داخل المجلس على رفضه. واتصلت بصديقي ممثل دوار “العين ابراهم أوصالح” بالمجلس الجماعي لوجان (إ. م.) الذي أكد لي نفس الشيء.
وبقينا على اتصال دائم وقامت بلدية تيزنيت بإنجاز دراسة التأثير على البيئة لموقع المشروع وتمت المصادقة عليها سنة 2007، إلا أن التداول وإبداء الرأي من طرف المجلس الجماعي لوجان لمرتين متتاليتين حول المشروع أفضى به إلى رفضه.
وفي سنة 2010، أي مباشرة بعد الانتخابات الجماعية لسنة 2009، ومع اقتراب تنفيذ القانون السالف الذكر المتعلق بتدبير النفايات، ومحاولة تفادي اختيار موقع المطرح وفق القانون الجديد ضمن المخطط المديري الإقليمي نظرا للمساطر الدقيقة الواجب الالتزام بها وضرورة اشراك جميع جماعات الاقليم في العملية مع ضرورة فتح بحث عمومي يفتح امكانية التعرض للجميع، وتحت ضغط عدة مسؤولين إقليميين، حاولت جماعة سبت وجان طمأنة السكان بأهمية إنشاء هذا المرفق العمومي بالنفوذ الترابي للجماعة بعد رفضه لمرتين متتاليتين من قبلها، واستعانت في إقناع الساكنة بخدمات المهندس المكلف بتتبع مشروع التحويل على صعيد البلدية، الذي حاول إقناع الساكنة المحلية عبر تبديد المخاوف البيئية المثارة.
إلا أن ساكنة جماعة وجان وأساسا دوار “العين إبراهيم أوصالح” عبرت عن رفضها المطلق لقرار تحويل المطرح البلدي، الصادر عن المجلس البلدي والمدعوم من قبل عمالة الإقليم. وحمل السكان مسؤولية إحداث المطرح البلدي بتراب جماعتهم للمجلس القروي لجماعة وجان، ودعوا هذا الأخير إلى عدم الرضوخ للضغوط الصادرة عن بعض المسؤولين الإقليميين.
وأمام ضغوط الساكنة، رفض المجلس القروي لجماعة وجان الموافقة على المشروع، فتم إقباره لتبدأ المرحلة الثانية، أي مرحلة تنفيذ القانون 28.00 بعد سنة 2010.
فبعد رفض المجلس القروي لجماعة وجان الموافقة على مشروع المطرح البلدي في المرحلة الأولى، تم إقبار هذا المشروع بشكل نهائي لتبدأ المرحلة الثانية، أي مرحلة ما بعد سنة 2010 والتي تهم تنفيذ القانون 28.00، رغم أن دراسة التأثير على البيئة تمت سنة 2007، كما تمت عملية تقويم البقعة الأرضية المحتضنة للمشروع سنة 2005، والتي لم أذكرها في الحلقة الأولى، لعدم أهميتها في السياق التاريخي لكون عملية تفويت البقعة المعنية لم تتم كما لم تباشر مسطرة نزع ملكيتها. وقد توصلت جماعة المعدر الكبير آنذاك بمحضر لجنة التقويم كإخبار لكونها جماعة إقامة الجماعة السلالية “لمشاع بوتيكوت” التابع إداريا لجماعة وجان.
صدر القانون 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها بتاريخ 22 نونبر 2006. وينص على اعتماد التخطيط على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي في مجال تدبير النفايات والتخلص منها.
ويحث هذا القانون على وجوب تغطية تراب كل إقليم، داخل أجل 5 سنوات من نشره، بمخطط مديري خاص بالإقليم لتدبير النفايات المنزلية والنفايات المماثلة. ويحدد هذا المخطط الأهداف المزمع تحقيقها في جمع النفايات المنزلية والمواقع الملائمة لإقامة منشآت التخلص منها وتخزينها…الخ.
فحتى تدبير النفايات المنزلية على صعيد الجماعة يكون، وفق هذا القانون، موضوع مخطط جماعي تراعى في إعداده توجهات المخطط الإقليمي، ويتطلب موافقة عامل الإقليم عليه. ففي الغالب لن يسمح للجماعات بإحداث مطارح جماعية في وجود مطرح إقليمي أو على الأقل في حالة قربه.
يهيأ المخطط المديري الخاص بالإقليم بمبادرة من عامل الإقليم وتحت مسؤوليته بتشاور مع لجنة استشارية تضم من بين مكوناتها ممثلين عن مجالس جماعات الإقليم. ويخضع المخطط المديري لبحث عمومي، تحدد كيفيات إعداده ومسطرة إجراء البحث العمومي بالمرسوم رقم 2.09.285 الذي لم يصدر إلا بتاريخ 6 يوليوز 2010.
فحسب هذا المرسوم، وبعد تهيئ المخطط المديري الخاص بالإقليم، يفتح البحث العمومي بقرار لعامل الإقليم، ويعهد تنظيمه إلى لجنة يرأسها ممثل عامل الإقليم وتضم ضمن أعضائها ممثلين اثنين على الأقل للجماعات المعنية. ويحدد قرار البحث العمومي تاريخ افتتاح وانتهاء البحث العمومي، لائحة أعضاء لجنة البحث، المدار الترابي والأماكن المعنية بالبحث ومكان ايداع ملف البحث وكذا السجل المعد لتدوين ملاحظات واقتراحات العموم المعنيين بالبحث العمومي. وبعد انتهاء أجل البحث العمومي، يستدعي رئيس اللجنة أعضاء هذه الأخيرة لدراسة الملاحظات والاقتراحات المدونة في السجل.
فمنذ صدور هذا المرسوم في منتصف سنة 2010، تعبأت جميع الأقاليم على الصعيد الوطني لإعداد مخططاتها لتدبير النفايات المنزلية والتخلص منها في مطارح إقليمية. وعلى مستوى إقليم تيزنيت، لم يعد مشكل المطرح يهم جماعة تيزنيت فقط، بل أصبح مشكلا يهم الإقليم بكامله ومن مسؤولية عامل الإقليم الذي أشرف فعلا على إعداد المخطط المديري سنة 2012 وتم اختيار موقع المطرح الإقليمي طبقا لمخرجات هذا المخطط حسب ما ورد في جواب السيد عامل الإقليم على شكاية جمعية تامونت.
أصبح المطرح إقليميا، لأنه سيستقبل النفايات المنزلية المنتجة على صعيد الإقليم؛ وأختير له موقع آخر- بذل الموقع السابق الكائن بجماعة وجان – بالمنطقة المسماة العزيب الواقعة شرق الطريق الوطنية رقم 1 والتابعة إداريا لجماعة أكلو والتي تبعد عن أقرب نقطة بمركز المعدر بحوالي 2,5 كلم.
وفي بداية سنة 2014، وطبقا للمادة 6 من المرسوم السالف الذكر، تمت مراسلة كافة مجالس الجماعات بالإقليم للتداول في دورات عادية أو استثنائية لتعيين عضوين إثنين عن كل جماعة كأعضاء باللجنة المكلفة بتنظيم البحث العمومي. وتضمنت تلك المراسلة تاريخ افتتاح وانتهاء البحث العمومي وكل المعطيات التي تهم البحث العمومي. كما تمت مراسلة مجلس جماعة “إثنين أكلو” لإبداء رأيه حول انشاء مشروع المطرح الإقليمي على تراب جماعته، فوافق عليه بإجماع أعضائه الحاضرين في دورته العادية لشهر فبراير 2014.
فمجلس جماعة المعدر الكبير، على غرار كافة مجالس الإقليم، تداول في الأمر وعين عضوين في لجنة البحث العمومي. ولم يكلف المكتب المسير نفسه عناء قراءة
مراسلة عامل الإقليم على أعضاء المجلس ومرر العملية كما أعد لها سلفا بترشيح عضوين من المكتب المسير بدون منافسين.
إلا أنه مع الأسف، فالعضوين المعينين من طرف المجلس لم يفطنا للتهديد الذي يهدد الجماعة، ويبدو أنهما لم يأخذا المسألة بالجدية المطلوبة حتى فات الأوان. وتساؤلات عديدة تفرض نفسها من قبيل: هل اطلع المعينان على المخطط المديري؟ هل اطلعا على القوانين المنظمة للعملية؟ هل بحثا في الموضوع؟ هل اطلعا على القرار العاملي بفتح البحث العمومي؟ وهل تأكدا من نشره؟ هل أخبرا الساكنة بوجود بحث عمومي حول الموضوع؟ وما هو هدفهم من الترشيح لهذه المهمة؟…إلخ
والذي كان معروفا على مستوى دائرة تيزنيت أن ثلاثة جماعات، تستنفر كل علاقاتها وتكثف من اتصالاتها بحثا عن المعلومة، كلما أحست بمشروع مطرح أو شيء من هذا القبيل، وهي جماعات المعدر الكبير وسبت وجان وأولاد جرار، ولا يغمض جفن لمسؤوليها حتى يتأكدوا من حقيقة الخبر.
حتى وإن كان هناك غموضا في الموضوع، فهو في حد ذاته سبب للتعرض وتعبئة الساكنة وتأطيرهم من أجل تقديم تعرضاتهم. أما أن يطمئن من رشح نفسه لتمثيل المجلس في هذه المهمة، وينتظر حتى انتهاء أجل التعرض واستدعائه ضمن أعضاء لجنة البحث العمومي ليحتج، فذلك لن يغير من حقيقة الأمر في كونه فوت على الساكنة فرصة التعرض. فحسب جواب رئيس جماعة تيزنيت على شكاية جمعية مركز المعدر بفرنسا ACMF، ” لم يسجل أي تعرض خلال مدة البحث العمومي على اختيار موقع المطرح”. ومع الأسف، فهذه هي الحقيقة المرة التي لا يمكن تغييرها.
لذا، ففي شهر فبراير من سنة 2014 قضي أمر المطرح الإقليمي، وليس سنة 2005 كما يدعي الذين اعتادوا التضليل ونشر المغالطات، وأي تعرض أو رفض من طرف المجلس الجماعي خارج أجل التعرض غير ذي جدوى من الناحية القانونية، وهو كمن يريد أن يسجل إصابة بعد صافرة نهاية المباراة. وكان على الجماعة على الأقل أن تطعن قضائيا، قبل انصرام أجل الطعن القضائي، في حالة كون قرار اختيار الموقع مشوب بعيب عدم المشروعية.
فبعد تمرير موقع مشروع المطرح الإقليمي، دون تسجيل أي تعرض يذكر، فكل الأحداث والمراحل اللاحقة ليست إلا تحصيل حاصل، لذلك لن أشير الا إلى أهمها دون تفاصيل.
مباشرة بعد تمريره، تبنت جماعة تيزنيت المشروع لكونها توصلت منذ سنة 2012 باعتماد يناهز مليار ونصف المليار سنتيم من الوزارة المكلفة بالبيئة لإغلاق المطرح القديم وفتح المطرح الجديد. وقامت في منتصف سنة 2014 بابرام اتفاقية شراكة مع جماعة أكلو تلتزم من خلالها هذه الأخيرة بتنفيذ اجراءات نزع ملكية البقعة الأرضية بينما تلتزم جماعة تيزنيت بتعويض ملاكيها.
إلا أن اللجنة الجهوية برئاسة والي جهة سوس ماسة رفضت منح الموافقة البيئية للمشروع، نظرا لكون دراسة التأثير على البيئة المنجزة والمصادق عليها سنة 2007 لا تهم منطقة العزيب بأكلو المقترحة لمشروع المطرح الإقليمي بل تهم منطقة بوتيكيوت بجماعة وجان؛ فاضطرت جماعة تيزنيت لإجراء دراسة ثانية للتأثير على البيئة تهم الموقع الجديد ومنحت على إثرها الموافقة البيئية للمشروع في شهر مارس 2019 بعد مصادقة وزارة الطاقة والمعادن والبيئة عليها. كما باشرت جماعة أكلو اجراءات نزع الملكية للبقعة البالغة مساحتها ما يناهز 28 هكتارا ابتداء من سنة 2016؛ إلا أن طلبات العروض للتدبير المفوض التي همت المطرح الجديد بائت بالفشل، مما دفع بجماعة تيزنيت الى استعمال الاعتماد المتوفر لديها لتأهيل المطرح القديم وتشغيله لفترة انتقالية مدتها سنة ونصف.
الهدف من هذا الجرد التاريخي والقانوني هو استجابة لضرورة ملحة تهم إزالة اللبس حول المنطلقات القانونية والتاريخية لمشروع المطرح الإقليمي لهدف استشراف المستقبل. فلحد الآن، فكل تحركات المجتمع المدني بالمعدر لهدف رفع الضرر الذي يشكله هذا المطرح، والتي لا يمكن الاستهانة بها نظرا لما راكمته، لا تعدو أن تكون ردود فعل تنتعش كلما برز حدث المطرح في الواجهة، وسرعان ما تختفي كلما خفت موضوع المطرح في الإعلام؛ بينما وجب علينا مواجهة المشكل وفق خطة استراتيجية ذات أهداف محددة تهم كافة المجالات القانونية والحقوقية والبيئية والتوثيقية والتواصلية والتعبوية …الخ، وهذا لن يتسنى إلا بتفعيل التنسيقية المحدثة وانخراط الجميع في العملية.

انتهى.