عرفت الساحة الإعلامية الاقليمية بتيزنيت ضجة أثارها مجموعة من النشطاء ردا على عدم استفادة طلبة تيزنيت –أسوة بغيرهم من طلبة الأقاليم المجاورة وبقية أقاليم المملكة- من مراكز اقليمية تضمن لهم اجتياز الامتحانات الجامعية في ظروف آمنة ومريحة.

وكتفاعل مع هذه الضجة، أصدر رئيس المجلس الاقليمي لتيزنيت بلاغا يوضح فيه أن المجلس الاقليمي بعد مجهودات ترافعية مع السلطات المعنية، فإنه فشل في إقناع الجهات المسؤولة بتوفير هذه المراكز، مع التأكيد على أن المجلس الإقليمي لا سلطة ولا اختصاص له في تقدير مسؤولية الاعتبارات التي على أساسها سيتم إجبار طلبة تيزنيت على قطع عشرات الكيلومترات من أجل اجتياز الامتحانات، محفوفين بخطر الإصابة بالفيروس اللعين، ناهيك عن ظروف التنقل اليومية إلى مراكز الامتحان.

هذه الوضعية ستدفعنا لطرح الكثير من الأسئلة حول العديد من القضايا، والتي لا يعنى بها إقليم معين، بل لها امتداد لكل أقاليم المملكة وجهاته.

فكيف يعقل لإقليم مثل تيزنيت أن تنتزع فيه السلطة من يد المنتخبين والمسؤولين السياسيين (لاسياما لكونهم أدرى بحال الإقليم وتجيهزاته وبنياته، ناهيك عن كونهم مساءلين أمام ناخبيهم) وتحتكر من طرف إداريين بجامعة ابن زهر يقررون وفق أهوائهم الخاصة، ويفرضون قراراتهم الغير مكلفة بالنسبة لهم، دون أن تكون لهم مبررات مقنعة؟ فإلى متى سيظل دور المنتخبين مقتصرا على تنفيذ القرارات بدل المشاركة في صياغتها والضغط من أجل ملاءمتها مع مصلحة الطلبة والإقليم؟ وإلى متى سيستمر اعتبار المنتخبين الحلقة الأضعف والحائط القصير الذي يقفز عليه الجميع، من مصالح وزارة الداخلية ورجالها، إلى المؤسسات الإدارية وبيروقراطييها؟

ما محل خطابات الجهوية الموسعة وخطابات اللامركزية واللاتمركز الإداري،مما يقع ضحيته طلبة تيزنيت؟ هذا مع العلم أن مراكز الامتحانات تم توفيرها في العديد من القرى والمداشر بالمغرب؟ كيف يبرر عاقل صعوبة تنظيم الامتحانات الجامعية بتيزنيت، مع العلم أنه قبل أسابيع قليلة نظمت امتحانات الباكالوريا بالإقليم دون صعوبات تذكر؟

ونحن في ظروف الجائحة، نتساءل كذلك عن التداعيات الاقتصادية لهذه الوضعية التي تستلزم حكامة وحسن تدبير للميزانيات، فهل تكاليف اجتياز الامتحانات بمراكز اقليمية في تيزنيت ستكون أكثر من مصاريف تنقل مئات الطلبة يوميا إلى أقاليم أخرى، وما يتطلبه من وقود وتجهيزات؟ بالإضافة للزمن المهدر في هذه التنقلات التي تتطلب ساعات، وناهيك عن التعب النفسي الذي يرافقها، وإمكانية إصابة الطلبة بالوباء وخطر تنقيله للإقليم لا قدر الله؟

ولكن لنكن موضوعيين كذلك، فهذه الوضعية تدفعنا لطرح الأسئلة بخصوص الطلبة وكذلك، فكيف يعقل لمئات الطلبة أن يقبلوا بهذه القرارات المجحفة في حقهم دون أن يترافعوا عن حقهم البسيط في اجتياز امتحاناتهم في ظروف أحسن؟ أين ذهب حس الطلبة النضالي في هذه النازلة؟ أين صوتهم وضغطهم؟ كيف يعقل لمن ينتظر منهم أن يكونوا نخب المستقبل أن يعجزوا عن الضغط على الجامعة ليس للمطالبة بحقهم في الثروة، أو حقهم في مطالب تعجيزية أو مكلفة من الناحية المادية؟ بل حق بسيط ومشروع على غرار بقية الطلبة بمدن وقرى ومداشر المغرب؟

كيف يعول على هؤلاء الطلبة في المستقبل في أن يترافعوا على حقوق منطقتهم وهم عاجزون عن أن ينتزعوا حقهم البسيط من أكادير فما بالك إن طلب منهم أن ينتزعوه من الرباط؟لماذا لم يسلك طلبة تيزنيت درب طلبة زاكورة في نضالهم لنيل حقوقهم؟ حيث أن طلبة زاكورة تعرضوا لنفس ما تعرض له طلبة تيزنيت من تهميش، إلا أنهم قاموا باحتجاجات دفعت الجامعة للرضوخ لمطالبهم المشروعة في آخر لحظة.

محاولة منا الإجابة على هذه الأسئلة، يمكننا الاعتماد على تحليل وضعية الجهات المتدخلة في هذه النازلة، والتي نحصرها في ثلاث: الجهاز الإداري للجامعة بتنسيق مع الجهاز الإداري لوزارة الداخلية (الوالي والعامل)؛ المنتخبون والنخب السياسية بالإقليم؛ الطلبة.

المنطق الذي دبرت به الجهة الأولى هذه العملية كان امتدادا للمنطق الذي كانت تدبر به السلطة المركزية سابقا سياستها منذ قرون، وهو منطق احتكار والانفراد باتخاذ القرارات (لي قالها المخزن هي لي كاينة)، والاشتغال بمنطق أقل مجهود، بمعنى أن هذا الجهاز الإداري سيدبر عملية اجتياز الامتحانات من خلال الخيارات السهلة الأقل تكلفة له من حيث المجهود، حتى وإن كان لهذا الخيار تكلفة باهضة على حساب الطلبة والمجالس المنتخبة، أما التراجع عن بعض القرارات وتقديم بعض التنازلات فلا يكون إلا تحت الضغط الشعبي (نموذج زكورة)، هذا المنطق يترجم بالأمازيغية بعبارة “أْفَوكو سوحوكو”، والتي تعني أن الأمور تحل بالضغط، أما الترافع بواسطة المذكرات والمراسلات والاستعطافات والبلاغات والتوقيعات…فقليلا ما تؤتي أكلها.

أما الجهة الثانية المتمثلة في المجالس المنتخبة وعموم المنتخبين بالإقليم، فهي ما تزال تعاني من انتزاع صلاحياتها وقوتها من طرف الجهة الأولى، وجعلها في واجهة المساءلة الدائمة أمام المواطنين، وإضعاف قوتها وعرقلة مجهوداتها، وتأليب بعضها على بعض، ونصرة بعضها ضد بعض…هذا ما يسلب من المنتخبين قوتهم التفاوضية، ويستغل تواجدهم فقط في إعطاء الصبغة الديمقراطية الشكلية للممارسة السياسية ببلادنا.

أما الجهة الثالثة وهي الطلبة، فما هم إلا نتاج بنية اجتماعية وثقافية غلب على تكوينها نفسية السكوت والخضوع، وثقافة المسالمة والمهادنة والصبر على الظلم. هذه التركيبة النفسية التي تشكلت وترسخت منذ قرون، والتي جعلت المنطقة مرتعا للوبيات الفساد كمافيا العقار، وجعلت كذلك غاباتها مرتعا للخنزير البري، وصيرت بساتينها وحقولها على ندرتها وجفافها، مرتعا لقطعان الرعاة الرحل. هذه النفسية ساعدت ساكنة المنطقة على التأقلم مع التهميش الذي يطالها، والحرمان من مقومات التنمية الاقتصادية، فلا فلاحة ولا صناعة بالمنطقة، فما يبقي اقتصادها الهزيل على قيد الحياة، هو ما ورثته من رصيد تاريخي وجغرافي وفر لها مؤهلات سياحية متواضعة، بالإضافة للصناعة التقليدية المحلية، وما يجود به مغاربة العالم من أبناء المنطقة على ذويهم وقراهم.

إن نموذج دراسة حالة تيزنيت يمكن تعميمه على الصعيد الوطني بناء على تحديد الجهات المتدخلة في الموضوع (إدارة دولة؛ النخب السياسية ومؤسسات الوساطة؛ الشعب)، فحتى وإن اختلفت أقاليم المغرب وجهاته في طبيعة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، فإن هذه الأزمات ما هي إلا وليدة اختلالات تخترق بنية هذه الجهات، بعضها أو كلها. فالمطلوب هو تفكيك بنية التخلف التي تعشش في مفاصل الدولة والمجتمع، عبر دراسة علمية وعميقة لهذه البنية كخطوة أولى لبحث سبل معالجتها، وذلك عبر مداخل متعددة، أبرزها المدخل الثقافي والسياسي.

قال تعالى:{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 165)

بقلم ياسين جلوني.