تيزنيت.. حين تصبح “البهرجة” طارداً للاستثمار

الوطن الأن9 يناير 2026Last Update :
 تيزنيت.. حين تصبح "البهرجة" طارداً للاستثمار
تيزنيت.. حين تصبح "البهرجة" طارداً للاستثمار

إن أخطر ما يواجه مدينة تيزنيت اليوم ليس ضعف الموارد المالية، بل هو سقوط مدبريها ومسيري شؤونها في فخ “العبث التدبيري”. فعندما تتحول ميزانية الجماعة من رافعة لتأهيل البنية التحتية الجاذبة للاستثمار إلى ميزانية لتمويل “الفرجة الموسمية”، نحن هنا لا نتحدث عن سوء تقدير، بل عن “انتحار اقتصادي” مع سبق الإصرار والترصد.

إن المستثمر المحلي و الوطني والدولي يقرأ المدينة من خلال “سلم أولويات” مسيريها. فإذا وجد بنية تحتية مهترئة، ومنطقة صناعية مشلولة، ومشاريع متوقفة، وبيروقراطية متصلبة، مقابل منصات غناء باذخة ومهرجانات مكلفة، فإنه يتلقى رسالة واضحة مفادها: “هذه مدينة لا تملك مشروعاً للمستقبل”.

إن هذا الانطباع يقتل “الأمان التدبيري”، ويحول تيزنيت في نظر الرأسمال من “فرصة واعدة” إلى “مخاطرة غير محسوبة”. إن سياسة الهروب إلى الأمام عبر تنظيم “البهرجة” هي اعتراف ضمني بالعجز عن مقارعة كبار المدبرين في جلب المشاريع المهيكلة.
فالمدبر الذي لا يملك القدرة على إقناع مستثمر بخلق 100 منصب شغل دائم، يكتفي بتقديم 100 ساعة من الصخب، ظناً منه أن “صناعة المتعة العابرة” يمكن أن تعوض “صناعة الكرامة الاقتصادية”.

لإدراك خطورة هذا النهج، يجب تحليله من زوايا أعمق تتجاوز مجرد النقد السياسي السطحي، اولا المنظور السيكولوجي: سيكولوجية “التنويم” والهروب .من الناحية النفسية، يعاني المدبر الذي يقتصر إنجازه على “المهرجانات” والحفلات من عقدة العجز المهني.
وبما أن بناء اقتصاد محلي يتطلب كفاءة تكنوقراطية عالية ونَفساً طويلاً، فإنه يرتد إلى “منطقة الراحة” المتمثلة في العمل الجمعوي البسيط.

المهرجان هنا ليس فعلاً ثقافياً، بل هو آلية دفاعية لإرضاء النرجسية والظهور السريع بمظهر “صانع البهجة”، في محاولة لـ “تنويم” الشارع وإلهائه عن السؤال الجوهري: “أين هي فرص الشغل وأين الكرامة الاجتماعية؟”.

ثانيا المنظور الاقتصادي: تبديد “تكلفة الفرصة البديلة”
اقتصادياً، تعيش تيزنيت استنزافاً حقيقياً لمواردها. فالمهرجان يمثل “استهلاكاً تفاخرياً” ينتهي بانتهاء السهرة، بينما التنمية الحقيقية تتطلب “استثماراً إنتاجياً”.

عندما تُنفق الميزانيات على “البهرجة”، تضيع على المدينة “تكلفة الفرصة البديلة”؛ أي تلك المشاريع المهيكلة التي كان يمكن أن توفر عوائد مستدامة. هذا النهج يخدم فقط “اقتصاد المناسبات” الهش، ويعزز من سيطرة “اللوبيات” التي تقتات على الريع والصفقات الموسمية، مما يجعل المدينة بيئة طاردة للرأسمال الجاد الذي يبحث عن الاستقرار لا الصخب.

إن تدبير شؤون تيزنيت ليس فرصة لالتقاط الصور فوق المنصات، بل هو تكليف يتطلب صياغة استراتيجيات لجلب الاستثمار الوطني والأجنبي وتطوير البنيات التحتية والمؤسسات الرياضية والاجتماعية.

Comments

Sorry Comments are closed

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)
    Breaking News