إذا كان محمد خير الدين قد أيقظ الإبداع في الثقافة الأمازيغية من سباته العميق و الطويل و المفتعل ، ليستقبل القرن العشرين بأناقة و رونق يليقان بلقبه *الطائر* الذي أطلقه عليه جون پول سارتر و بأعماله التي ستبقى خالدة و أزلية، فإن محمد فريد زلحوظ حول الإبداع في الثقافة الأمازيغية إلى شهقة أوكسجين و رشفة ماء زلال و رغيف خبز لا يستغنى عنه في ذاكرة الأمازيغ اليومية و هكذا يستحق هذان المبدعان و الشاعران مجدهما الخاص كي يكونا الاسمين الأهم إبداعيا و شعريا طوال هذه السنوات ، و إذا كان قد أجمع الكثير من النقاد و الأدباء و المفكرين على مكانة محمد خير الدين المميزة ، فإن المبدع محمد فريد و الذي يحلو لمحبيه و لمتتبعيه أن يلقبوه بزلحوظ و الذي استهل مساره الإبداعي مند وقت ليس بالقريب بإنتاجات نثرية و شعرية باللغتين الأمازيغية لغته الأم و الفرنسية كلغة التخصص و كمدرس لها لسنوات عديدة، فكانت إنتاجاته الأولى على شاكلة دواوين وشى و باح لنا فيها بما يخالجه و بما جادت به قريحته ، و لم تنته السليقة أبدا لما أثارته هذه الإنتاجات من تساؤلات و إشكالات زرعت البذرة الأولى في أرض خصوصيته ، حيث جاءت كل الإبداعات و الإنتاجات لنفض الغبار عن هوية تم طمسها بشكل ممنهج ، إنها سيل فكري يحاول بعث هوية ضاربة في التارخ ، يحاول إحياء حضارة الأمازيغ ، حيث كانت أعماله تتميز بنوع من الشمولية في التعاطي مع الفضاء الذي نشأ فيه و هو منطقة تافراوت ، كانت إنتاجاته تغطي الفضاء و الإنسان و الوطن و الشجر و السماء و الهوية الأمازيغية الحقيقية الأصيلة في كل تمظهراتها، لا تلك الأناقات المتفشية و التي تحاول طمس تاريخ أحفاد مازيغ، فمن الحدود الدنيا للكلمة و المفردة التي ينتقيها محمد فريد حتى الحدود القصوى للمتن الإبداعي ككل و للقصائد الخاصة جدا ، و التي حملت هوية سلفه و هويتها الأكثر خصوصية باسم زلحوظ. فإذا اعتاد الجميع على الرسمية و صخب التصفيق و حرارة الميكروفونات بأصوات المتملقين من أشباه المبدعين ، فإن محمد فريد زلحوظ ترتج و ترتجف آذان جهابدة الكلمة و أهل المعنى الدقيق و خلان الإپيستيمولوجيا و أصحاب الذوق الرفيع الدفين في كنه بلاغة الخطاب ومن جراء إبداعه الصامت و تفيض النفوس تساؤلا كلما رد صدى جبال تافراوت قصائده. نعم ، دائما ما تصيبني أنساقه اللغوية بنوع من الإزدحام في التساؤلات ، فتولد لدي أطيافا من الألوان تسبح بي في عالم يتجاوز طبيعة تافراوت الجغرافية ، لدجة أنني أهديت جارة من أصل فرنسي أحد إبداعاته ، فرأيت أنه بعد قراءتها لذلك العمل الإبداعي قالت لي إنه سياق أخرجني من صخب اللغة السهلة الجاهزة و أدخلني إلى اللغة الراقية و السامية و النبيلة ، إن هذا العمل هو ضرب من الوفاء التام للغة بل و الحلول فيها، و أضافت لقد لامست رقي الخطاب المحبوك و أحسست بتجاوز المساحة الضرورية بين الذاة و اللغة . إنه اعتراف من أهله . فعلا إن أعمال محمد فريد و من خلال قراءتها -أقصد القراءة النقدية و التمحيصية لا القراءة السطحية- لها مدى يتجاوز المساحة أو الفضاء التقليدي في كل جغرافيات العالم حيث الأمازيغي الحديث الذي هاجر بعيدا عن وطنه و لكن لم يقو على هجر ثقافته الأصلية و ملاذه الروحي الأجمل و الذي يتأتى له استيعابه من خلال أعمال محمد فريد الإبداعية، فلمسة الأستاذ فريد الإبداعية تأخذ الدارس في رحلة بين الأطياف اللغوية المحبوكة التي من خلالها يكون القارئ فكرة مثيرة تزيدها عناوين أعماله إثارة في الجمع بين سمو اللغة و حضور القضية الأساس التي هي قضية الذاة الأصيلة بين الحضور الأصيل و بين الطمس الممنهج . مجموعات الأستاذ محمد فريد الشعرية و كذلك النثرية التي قام بنشرها ، صنعت منه شخصية متميزة جدا في دوائر النقد الجدي و الأكاديمي ، بل فرت به من أسر التصنيفات التقليدية و القوالب الشعرية الجاهزة ، نحو فضاء واسع مملوء بالإيحائية و الصور الشعرية التي يمكن لكل مطلع أن يقرأها حسب بعده و زاويته و منظوره . كلمة في حق المبدع محمد فريد زالحوض

بقلم: عبد الرحيم أعباد