في صيف استثنائي استحوذت على أولويات أحداثه تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ومع دخول المرحلة الثالثة من تخفيف الحجر الصحي؛ بدأت الأحزاب السياسية تستعد لانتخابات 2021، بما تحمله من جدل ونقاش، وما تختزنه من رهانات وتحديات.
وباعتبار أن سنة 2021 ستكون سنة انتخابية بامتياز؛ ستشهد تجديد كافة المؤسسات المنتخبة الوطنية والمحلية والمهنية، من مجالس جماعية ومجالس إقليمية ومجالس جهوية وغرف مهنية، وانتخابات ممثلي المأجورين، ثم مجلسي البرلمان، فكان من الطبيعي أن يتم التشاور حول القوانين المنظمة للانتخابات، بين الأحزاب السياسة، والمسارعة إلى تقديم مذكرات تعرض فيها تحليلها للواقع السياسي ورهاناته، وتصوراتها للإصلاح ومقترحاتها بشأن تدبير الاستحقاق الانتخابي لسنة 2021.
ولكي تتوج الانتخابات المقبلة برهانات سياسية كبرى، يجب أن تسبقها إصلاحات تؤشر بتحول ديمقراطي حقيقي، لكي لا تبقى انتخابات 2021 مجرد انتخابات تقنية لتدبير الأزمة.
فالمدخل السياسي للإصلاحات يعد أمرا أساسيا. والإصلاح المطلوب هو إصلاح عميق مناسب للوضعية السياسية الحقيقية التي تعيشها البلاد في ظل تنامي مجتمع ناقص التأطير السياسي، بسبب التعدد الهجين واللآمحدود للأحزاب السياسية وغياب التجربة التمثيلية السياسية لدى كثير من النخب السياسية، فما بالك بتجربة تأطير المواطنين.
وفي غياب مشاريع مجتمعية منسجمة وواضحة، يمكن للمواطنين استيعابها وفهمها، أصبح الكل متشابها، وأصبح الجميع يغني نفس الأغنية، ويرددها دون اقتناع كامل، فبدت في السطح بشكل جلي انتهازية لا حدود لها، للرغبة في مزيد من المكاسب الذاتية والوصول إلى المقاعد بأي ثمن، ولو على حساب المبادئ والأخلاق السياسية، … مما أثر على قدرة الكفاءات والنخب السياسية في التأثير.
ويتعين التفكير في إصلاح عميق للنظام الانتخابي في ارتباط مع النمط الانتخابي، وهو القادر وحده على إعطاء الفرصة للأطر والكفاءات واستقطاب التقنوقراط وخلق أجواء سياسية للتنافس الحقيقي القادر على استيعاب وتعبئة المواطنين.
وهذا الإصلاح أتصوره في بناء القطبية السياسية المبنية على الثنائية الحزبية (اليسار / اليمين) – (الديمقراطية الاجتماعية / القوى الليبرالية) – (القوى المحافظة – القوى الديمقراطية – …) التي ستخرجنا من منطق التحالفات الهجينة على حساب مخرجات العملية الانتخابية. ويتطلب الأمر كذلك، إصلاحا عميقا لنظام الأحزاب السياسية بقصد عقلنتها ووضعها أمام مسؤوليتها.
هذه الأقطاب السياسية هي المؤهلة لخوض المعارك الانتخابية والفكرية انطلاقا من تحالفات قبلية، ومن خلال تقديم مرشحين في لوائح وقوائم أو كأفراد … وهي القادرة في نظري على تعبئة النقاش والتنافس حول قضايا التنمية والخروج بالبلاد من مرحلة ما سمي ب “الانتقال الديمقراطي”.
فلنستفد من تجربة 20 سنة الماضية، انطلاقا من حكومة التناوب، وما آلت إليه إلى اليوم، لتقوية البنيات المؤسساتية والسياسية، في أفق تعزيز الديمقراطية والمشاركة، و لنستفد كذلك من تجارب مماثلة صاعدة.
ويسمح نمط الاقتراع بالمرور من فرز الأصوات إلى الإعلان عن المسؤولين المنتخبين بإرادة صناديق الاقتراع (عمل تقني). فيما يغطي النظام الانتخابي جميع محددات الانتخابات وما يتولد عن طرق التصويت (الأثر على تنظيم الأحزاب، التناوب على السلطة ، وما إلى ذلك) (عمل سياسي).
فإذا كان مبدأ الانتخاب بالاقتراع العام يحظى اليوم بالإجماع في الديمقراطيات التمثيلية، فإن ذلك لا ينطبق على اختيار نمط الاقتراع.
ويبدو أن هذا الأخير هو مزيج ذكي يمتزج فيه التاريخ السياسي الوطني، بالحاجة إلى التمثيلية وآراء الأحزاب. وقد تختلف طرق التصويت وأنماط الاقتراع أيضًا مع كل حقبة سياسية.
فالمسار الديمقراطي ليس مسارا خطّيا مستقيما، بل يخضع لتحولات شكلية أو لهزات عميقة قد تصل إلى حد إيقافه أو الانقلاب عليه، أو إفراغه من مضامينه.
وباعتبار نمط الاقتراع كمدخل من مداخل الإصلاح السياسي، فقد تعرض لتعديلات عديدة منذ أول تجربة انتخابية بالمغرب، حيث تم اعتماد النظام الأغلبي على أساس اللائحة والنظام الأحادي الاسمي، ثم تم تبني النمط الأحادي الإسمي إلى سنة 1998.
ومنذ سنة 2002، تم تبنى نمط الاقتراع بالتمثيل النسبي باللائحة، وظل النقاش منحصرا حول تعديل هذا النمط على أساس العتبة فقط. ولم يطرح تغيير نمط الاقتراع بعد دستور 2011 رغم التحولات و التغييرات التي عرفها المسار الانتخابي.
وبعد حوالي 10 سنوات من اعتماد دستور 2011 أثبت التمثيل النسبي الذي ينبني عليه النظام الإنتخابي اليوم، محدوديته وعدم فعاليته، بعد أن أنتج برلمانا فسيفسائيا غير قادر على القيام بدوره الرقابي، وفشل في إنتاج أغلبية منسجمة ومعارضة قوية وفعّالة، فما بالك بفرز حكومة قوية تتوفر على مؤهلات المصداقية. ممّا يتسبّب في تعطيل الإصلاحات السياسية والإقتصادية والاجتماعية المطلوبة.

كما خلّف كذلك شعورا بالخيبة لدى الناخبين، مما أثر في مستوى المشاركة وعمُق نسب العزوف الإنتخابي والعزوف عن العمل السياسي ككل. ممّا يقتضي التفكير في اعتماد نظام بديل يعيد الثقة بين الناخب والمنتخب ويتيح فرصة تكوين حكومة مستقرة قادرة على إخراج البلاد من الأزمات المتعاقبة .

فإذا كان الهدف الأسمى من تغيير نمط الإقتراع هو تمكين البرلمان من القيام بأدواره الدستورية، وتمكين الحكومة من القيام بأدوارها التنفيذية، عبر فتح نقاش سياسي حول ماهية الانتخابات؟ فهل هي  وسيلة لتعديل انحرافات المسار الديمقراطي؟ وهل هي آلية للتحرر من قبضة أحزاب المال والدين عبر استخلاص الدروس منها وتقييمها بهدوء وتبصر؟ وهل هي وسيلة ناجعة لتجديد النخب السياسية، بعيدا عن الدسائس أو تصدير أزمة الأغلبية الحكومية؟

ففي مواجهة النتائج الانتخابية الأخيرة تتناسل الأسئلة حول مدى التمثيل السياسي للأحزاب المغربية، وحول القلق المتزايد للعزوف عن المشاركة السياسية؟ فهل يجب أن نلوم غياب الثقافة السياسية والحزبية، وضعف الأحزاب وعدم قدرتها على تفعيل الديمقراطية الداخلية؟ هل يجب أن نلوم فقدان الأحزاب السياسية التدريجي لدورها كواسطة وقيام وسائط اجتماعية أكثر فعالية بهذا الدور محلها؟ هل يجب أن نتساءل عن إعادة إفراز خريطة سياسية وانتخابية جديدة؟ وهل يجب أن نلوم وظيفة النظام السياسي المتعدد الأحزاب، إلى درجة التخمة، وقصوره في هيكلة المجال السياسي؟

إن عدد التشكيلات السياسية في تصاعد مستمر. فالأحزاب تنبت كالفطائر في ظل التعددية الحزبية التي يتبناها المغرب منذ 1958، على إثر صدور ظهير الحريات العامة، بحيث انتقلنا من 9 أحزاب في الانتخابات التشريعية لسنة 1977، إلى 12 حزباً في سنة 1984، ثم إلى 16 سنة 1997 وإلى 26 في سنة 2002، ف 32 حزبا في سنة 2019. وهي في أغلبها وليدة 9 انشقاقات عن أحزاب أصلية. فهل لدينا حقا أزيد من 30 مشروعا سياسيا لحل معضلات البلاد؟

أكيد أن النظام التعددي المغربي لا يزال غير قادر على تقديم إجابات صريحة تساهم في وضوح الرؤى السياسية أو بروز التمثيلية التي ترقى إلى مستوى تحديات التغيير المرتبطة بالإصلاحات المؤسسية والانتخابية المتتالية.

وباختصار، فالتعددية، التي تعني بعبارة أخرى، تحمل المسؤولية السياسية واقتراح ترجمة سياسية لتطلعات المجتمع من خلال التعايش بين الأحزاب المندمجة في قواعد اللعبة المؤسساتية حول ممارسة السلطة، بدت على الدوام كإحدى أفضل الضمانات الديمقراطية، يبدو أنها اليوم مهددة، لأن الأحزاب لم تعد قادرة على لعب دورها كاملا : فهي اليوم مرهقة وضعيفة ومتجاوزة … لكنها مدعوة إلى تحقيق قفزة نوعية في أداءها لتجاوز الأزمة. فالأحزاب تظل تقليدياً أفضل حليف للتعددية الفعالة والقوية وللديمقراطية.

لكن هناك فرضية أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار: أن قواعد اللعبة قد تغيرت.. وأن إعادة تشكيل وبلورة الفضاء السياسي، قد يكون شكلا من أشكال إعادة تعريف التعددية السياسية؟ وسيكون الجواب على هذا السؤال أحد رهانات الانتقال الديمقراطي.

يقال أن “الحكم هو الاختيار” « Gouverner c’est choisir »، لكن كيف نختار أولياء أمورنا ومنتخبينا؟ فالنقاشات السياسية لا تركز فقط على القضايا الجوهرية أو على المرشحين، ولكن أيضًا على طرق التصويت وأنماط الاقتراع، والتي تعد بالفعل مصدرًا لبعض إحباط الناخبين. فهل إذا ما تم تغيير نمط الاقتراع المعمول به، فهل هذا سيحل مشكلات التمثيلية؟ وهل هذا سيحل مشكل العزوف؟ وهل سيكون بذلك الناخب أكثر ميلا واستعدادا للمشاركة والتصويت؟ وهل ستكون النتائج مختلفة؟

إن التناوب الديمقراطي يجب أن يبنى على أسس وأحزاب قوية لها مقومات المنافسة، وهذا ما يقتضي تخليقا للحياة السياسية و تسييسا للمجتمع، إلا أن المشهد السياسي يبدو مفتقدا لذلك.

إن نظام الأغلبية النسبية majorité simple ou relativeيفسر بأنه يعطي الفوز لمن حصل على أكثر الأصوات، سواء تعلق الأمر بالترشيح الفردي أو بالترشيح باللائحة.

هذا الأسلوب يؤاخذ عليه بأنه يتسم بطابع إقصائي، لكونه لا يسمح بتمثيلية أوسع، لكنه في المقابل يقلص من ظاهرة البلقنة و يقوي من فرص خلق أقطاب سياسية.

والمغرب أخذ بنظام الإنتخاب باللآئحةrégime de représentation proportionnelle مع إعتماد التمثيل النسبي حسب أكبر بقية: وهو أسلوب يغلب عليه طابع ديمقراطية التمثيل النسبي للأحزاب المشاركة في الإنتخابات، لما يسمح به من إمكانية توزيع المقاعد المكونة للدائرة الإنتخابية بين أغلبية وأقلية. وهو ما يفترض أن تكون الدوائر الإنتخابية كبيرة، وأن لا تكون صغيرة كما هو الحال بالنسبة لنظام الترشيح الفردي.

لكن، من سلبيات هذا الأسلوب أنه لم يسمح بتشكيل أغلبية متجانسة في البرلمان أو بتشكيل مجالس قوية، لكونه لا يعطي إمكانية الفوز بأغلبية المقاعد للأحزاب القوية أو الكبيرة. كما أن تأثيره ضعيف ومحدود في جذب واستقطاب الناخبين وحثهم على المشاركة في الإنتخابات .

فتشجيع المواطنين على المشاركة في الإنتخابات يتطلب تبسيط الإجراءات ومساطر الاقتراع والترشيح،  وعدم اعتماد نظام إنتخابي معقد، خاصة في مجتمع يتميز بوجود نسبة عالية من الأمية وسط الناخبين و المترشحين.

فما الفائدة من هذا النظام الإنتخابي، إذا كان لا يسمح بتشكل أقطاب حزبية كبيرة وقوية ؟  وهل يتعين مراجعة نمط الاقتراع أم تطوير النظام الحالي لجعله أكثر فعالية وتمثيلية ؟

وفي الحقب الأخيرة، عرف تطور الأنظمة الديمقراطية تفاعلا قويا وحادا بين المجتمع والدولة في محاولة إفراز ما هو أنجع لضمان نظام انتخابي قادر على ضمان التمثيلية الحقيقية وتحقيق التوازن والتجاوب مع متطلبات مجتمع عادل.

وفي هذا الإطار، عرفت العديد من الدول أنظمة مختلفة من التمثيل النسبي الذي يستهدف اللآئحة وليس الأفراد، ويستهدف أن تكون التمثيلية واسعة للأحزاب السياسية، لكنه يعقد عملية بناء التحالفات السياسية القطبية، وهذا ما يعرقل عمل البرلمان والحكومة معا.

كما عرفت نظام التمثيل وتوزيع المقاعد وفق قاعدة التمثيل النسبي في دورتين، والذي يعتبر من مزاياه أنه يشجع على المشاركة في الانتخابات، كما هو الحال المجتمعات المتقدمة، كما أنه يقلص من عمليات التزوير، أو شراء الأصوات.

وبحكم تطور وسائل التواصل فقد ظهرت أنظمة تعتمد آلية كبار الناخبين، من خلال تنظيم انتخابات أولية تمهيدية (primaires)، يشارك فيها منخرطو الأحزاب والمؤيدون والعاطفون لفرز مرشح تتوفر فيه شروط الكفاءة والنزاهة وبقية الشروط المطلوبة. مما يساهم في قطع الطريق على العشوائية في الترشيح.

والنظام المغربي، عرف في الحقب الأخيرة نظام التمثيلية النسائية والشبابية، بنفس المعايير والمقاييس التي تخضع لنظام الاقتراع النسبي، وذلك من أجل ضمان تمثيلية النساء والشباب، إلا أن هذا النظام أبان عن محدوديته، باعتباره لم يحقق أية إضافة نوعية، باستثناء تمثيلية فئوية، يبدو أنها في كثير من الأحيان، غير ديمقراطية، بسبب وضع الأزمة التي تعيشها الأحزاب.

ومن المؤكد أن التعددية الحزبية المفرطة لا تنسجم مع الواقع الاجتماعي المغربي. كما أن الثنائية الحزبية التي عرفت تجربة بسيطة مبتدئة خلال أول انتخابات برلمانية في المغرب (1962) لم يسمح لها بإنتاج تراكم كافي يسعفنا في تطوير رؤية الاصلاح الذي يخرجنا من الوضع الحالي غير المنتج. والذي قد يؤدي، في حالة استمراره إلى نتائج وخيمة قد تصيب الثقة في السياسة وتقزم الانخراط وتعمق أزمة المجتمع في علاقته مع نظام الدولة.

والتفكير في إصلاح قانون الأحزاب السياسية في اتجاه وضع قاعدة جديدة لتأكيد الصلة الوثيقة بين النظام السياسي والنظام الانتخابي وتحديد أي من النظامين أمثل وأفيد (النسبي متعدد الأطراف أو الفردي الثنائي الحزبية) في هيكلة تجعله قادرا على تعبئة كل الطاقات حول مشاريع تتوافق عليها، ولو مرحليا لبناء المستقبل.

لذلك، فإن حصر النقاش في التقنيات، التنظيمية والهيكلية، والتي لا بد من استحضارها أيضا عند الإصلاح، من قبيل التقطيع الانتخابي أو اللوائح أو العتبة…وغيرها.. لا يجب أن تبعدنا عن الجوهر. ويجب أن يبقى جوهر الإصلاح هو النظام الانتخابي المنسجم مع الواقع الاجتماعي والضامن للتجاوب الإيجابي بين الدولة والمجتمع.

وأعتقد أن الثنائية الحزبية قد يكون لها دور فعال في المرحلة الراهنة، باعتبارها هي الأنجع لتحقيق الانتقال الديمقراطي في عدد من التجارب المقارنة (الاسبانية مثلا).

وهو ما يتطلب بذل المجهود الفكري والسياسي والاجتماعي للجواب على الأسئلة الكبرى التي يطرحها المجتمع على الطبقة السياسية قبل فوات الأوان.

عبد اللطيف أعمو مستشار برلماني