غادرنا إلى دار البقاء الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، أحد كبار هذا البلد الذي انطفأ بعد عمر مليء بالمنجزات والعطاءات ومواقف وتضحيات فى درب الوفاء لمبادئه وحلم وطنه وشعبه .

وبهذه المناسبة الأليمة أعرب لأسرة الفقيد السياسية والمهنية والحقوقية، ولكل أقاربه وذويه، وأصدقائه ومحبيه عن أحر التعازي وخالص عبارات المواساة مقدرا فداحة الرزء في رحيل أحد أهم الرموز السياسية ببلادنا، والذي نذر حياته لخدمة وطنه بكل تفان وإخلاص ونكران ذات.

لقد كان الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي ضمن قياديي حركة التحرر الوطني، وكان رمزا من رموز حركة انبثاق حقوق الإنسان فى العالم العربي وفي القارة الإفريقية، وقاد بلاده من مختلف المواقع وفي أصعب وأحلك الأزمنة بهمة وثبات ونكران ذات.

إن المغرب فقد فعلا في اليوسفي علما شامخا ومقاوما بارزا وشجاعا وأيضا مناضلا صامدا قدم كل حياته هبة من أجل تحرير البلاد أولا كمناضل في ظل الحركة الوطنية في مواجهة الاستعمار، ومقدما تضحيات جسيمة في سبيل تحقيق الاستقلال، ثم مناضلا بعد الاستقلال دون كلل أو ملل، حيث رفع راية النضال في عهد الاستقلال، بالدفاع عن حرية الصحافة والتعبير، إذ كان من بين مؤسسي النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وساهم في تطوير العمل الصحافي المهني بجريدة “التحرير”، وتعرض للاعتقال والمضايقات وربط النضال بتطوير الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان.

فكان من بين المناضلين الأشداء الأوفياء الذين جعلوا نصب أعينهم بناء المغرب المستقل على أسس الديمقراطية الحقة، مع الحرص على أن تسود العدالة وحقوق الإنسان والمساواة وحرية الصحافة وكرامة المواطن واستقلالية القضاء. كما عاش في المنفى، وظل اسمه مرتبطا بالمغرب مدافعا عنه، وشكل شبكة من العلاقات الدولية مع منظمات كثيرة في مختلف المجالات، وظل مدافعا عن حقوق الإنسان، إلى أن وقع انفراج سياسي، فعاد إلى الوطن قصد المساهمة في ترسيخ الممارسة الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان.

وساهم اليوسفي أثناء قيادته حكومة التناوب التوافقي، في حصول انتقال سلس من عهد إلى آخر، لحظة وفاة الملك الراحل الحسن الثاني. وعند استقبال الملك الراحل الحسن الثاني، له في الـ4 من فبراير 1998، بالقصر الملكي بالرباط، ليعينه وزيرا أولا، حدثه قائلا:

“إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا أنك منذ الاستقلال، لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار. ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد والعشرين”.

فالجميع أقر بعصامية الرجل وبسلوكه القيادي المثالي، فكان مرجعا في النزاهة والأخلاق وقدوة في الاستقامة في العمل السياسي .. وعلى يده تم انتقال العرش من ملك كان خصمه ودام ملكه أكثر من ثلاثين سنة إلى ملك شاب أبدى إرادته في تحديث البلاد وإدخالها إلى القرن الواحد والعشرين.

كان الأستاذ اليوسفي رجلا صلبا بصم تاريخ المغرب الحديث بنضاله، وعاش لحظاته القاسية والحرجة بصمود وثبات، كما عاش فتراته الرائعة والجميلة بصدق وإيمان، فكان رمزا للشموخ والمقاومة والشجاعة والوفاء، وممثلا أروع ما ترمز له الشهامة في تاريخ المغرب، وسيبقى إسمه رمزا للإنسان الذي جعل دائما مصلحة وطنه وشعبه فوق كل اعتبار.

ولا زلت أحتفظ في ذاكرتي بلقائي الأخير به أثناء زيارته المفاجئة لمدينة تيزنيت، وشرف استقبالنا في 11 ماي 2013، لرمز شامخ من رموز هذا الوطن. ويروي الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في الصفحة 240 من مذكراته تحت عنوان : عبد الرحمان اليوسفي – أحاديث في ما جرى – شذرات من سيرتي ، كما رويتها لبودرقة تلك اللحظة التي تقاسمناها معه، قائلا:

“(…) ومن تافراوت، توجه الموكب إلى مدينة تيزنيت حيث كان في استقبالنا الأستاذ عبد اللطيف أعمو، وأصر على استضافتنا بمنزل والده العلامة القاضي أوعمو. وبعد هذه الزيارة، توجهنا صوب قرية أكلو المطلة على المحيط الأطلسي، حيث قمنا بزيارة زاوية سيدي وكاك، إحدى أقدم المدارس العتيقة بالمغرب والتي درس بها عبد الله بن ياسين مؤسس الدولة المرابطية.”

واستطرد قائلا: “(…) كانت رحلة لها أثر خاص في نفسي، لأنها منحت لي الاتصال بجزء أساسي من مناطق المغرب، حيث صنعت أحداث سياسية تاريخية مؤثرة وهامة، ولأنها كانت رحلة ثقافية لم تتح لي مثيلتها مغربيا من قبل، أكدت لي غنى تنوع مصادر الهوية المغربية، التي سعدت أن نص الدستور الجديد لسنة 2011 انتبه لأهمية التسطير عليها في ديباجته.”

وإذ نشاطر، أهله وأقاربه والشعب المغربي قاطبة أحزانهم في هذا المصاب الأليم، الذي لا راد لقضاء الله فيه، نسأل الله عز وجل أن يلهم أسرته السياسية والمهنية وأقرباءه وذويه جميل الصبر وحسن العزاء.
رحمك الله يا سي عبد الرحمان .. فروحك الآن فى ضيافة ملائكة الرحمان في مقعد صدق وفي مجلس حق عند ربك.

أما نحن فلا نملك إلا عزاءك والبكاء عليك والانحناء لك تقديرا واحتراما والاعتراف لك بحسن الجميل.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عبد اللطيف أعمو
مستشار برلماني